القوة الناعمة بالسودان ودورها في البناء الوطني!؟
السفير.د. معاوية التوم
⸻
يُعد السودان من الدول التي تمتلك رصيدًا معتبرًا من عناصر القوة الناعمة، والتي يمكن توظيفها لتعزيز مكانته إقليميًا ودوليًا دون اللجوء إلى أدوات الضغط أو القوة. وهو مصطلح قديم متجدد فوفقًا لتعريف جوزيف ناي، تقوم القوة الناعمة على الجاذبية الثقافية والقيم والأفكار، وهو ما يتوفر للسودان من خلال تنوعه الثقافي واللغوي، فنونه الغنية، موروثه الصوفي المعتدل، وسِمات شعبه المتمثلة في التسامح والضيافة والسوداناوية السمحة.
كما أن ارتباط السودان التاريخي بالحضارات النيلية، وحضوره في العمق الإفريقي والعربي، والإسلامي يعزّز من قدرته على التأثير غير المباشر في محيطه، إذا ما تم استثمار هذه المقومات ضمن سياسة خارجية متوازنة، وإستراتيجية وطنية تدعم الصناعات الثقافية وتُنمّي صورة السودان الإيجابية في العالم. بذلك تصبح القوة الناعمة أداة فاعلة في البناء الوطني وتعزيز السلم المجتمعي، كما في الدبلوماسية العامة وبناء الشراكات.فالقوة الناعمة في السودان تستند إلى مجموعة من الموارد الثقافية، الاجتماعية، والتاريخية التي تشكل رصيدًا مهمًا يمكن توظيفه لتعزيز صورة البلاد ونفوذها في الإقليم والعالم. من أبرز مكامن القوة الناعمة في السودان:
1. الثقافة والفنون
•التنوع الثقافي:
السودان غني بثقافات متعددة، تضم أكثر من 500 لهجة ولغة، وعشرات الإثنيات التي تعكس تعددًا ثقافيًا وإنسانيًا فريدًا.
•الموسيقى والشعر: من الطمبور إلى الجاز السوداني، ومن الحقيبة إلى الشعر الشعبي والفصيح والشعبي العامي ، تمتلك السودان إرثًا فنيًا مؤثرًا له حضور في المنطقة.
•الدراما والسينما والمسرح : رغم محدودية الدعم، شهد السودان مؤخرًا بروزًا لافتًا في السينما، مثل فيلم ارض السمر الذي نال جوائز دولية وغيره . وهو مجال خصب للاستثمار .
2. الهوية الدينية والروحية
•الإسلام الصوفي: السودان مركز مهم للصوفية، ويمتاز بخطاب ديني متسامح ومعتدل يمكن أن يسهم في تصدير قيم الاعتدال الديني.
•الطرق الصوفية: مثل التيجانية والقادرية، السمانية والعركية وغيرها من ركائز المتصوفة، لها أتباع ومريدين في غرب إفريقيا وتاريخ من التأثير العابر للحدود.
3. الدياسبورا السودانية
•السودانيون في الخارج، خاصة في الخليج، أوروبا، وأمريكا الشمالية، يشكلون جسرًا مهمًا للتواصل الثقافي والدبلوماسي والشعوبي ، وهم مصدر تحويلات مالية وخبرات فكرية مؤثرة.
4. الرياضة
•كرة القدم وألعاب القوى والسباحة : الرياضة وسيلة لتقوية الروابط الشعبية في الداخل والخارج، ويمكن استثمارها دبلوماسيًا.
•أسماء مثل د شداد ود ابوجبل و “مجدي شمس الدين” في الفيفا، وحمد ابو القاسم في الاولمبيات وغيرهم تعكس حضورًا مؤسساتيًا يمكن البناء عليه.
5. الموقع الجغرافي والتاريخ الحضاري
•السودان كان مهدًا لحضارات عريقة مثل مروي ونبتة، وسنار وكوش التي تُمثل إرثًا إنسانيًا عالميًا.
•موقعه على البحر الأحمر، وحدوده مع سبع دول، يمنحه أهمية جيوسياسية وموارده وثرواته الضخمة في باطن الأرض تعزز من نفوذه الإقليمي.
6. المطبخ السوداني
•رغم أنه غير مستغل إعلاميًا بشكل كافٍ، إلا أن المطبخ السوداني متنوع ويمكن أن يكون جزءًا من الدبلوماسية الثقافية باشتراك مع عوالم اثرت في نشاته وتكوينه وتطوره خلال مسيرة البلاد ، وما أنتجته الحداثة والمعاصرة على صعيد ثقافة الغذاء.
7. الكرم والتقاليد السودانية
•السمعة الطيبة للشعب السوداني في التسامح والكرم والضيافة والأريحية وحب الخير للآخرين يمكن أن تكون عنصرًا مؤثرًا في القوة الناعمة، خاصة في السياحة والتبادل الثقافي
دورها في البناء الوطني:
يمتلك السودان رصيدًا هائلًا من عناصر القوة الناعمة التي تشكل مدخلًا استراتيجيًا للمساهمة في عملية البناء الوطني الشامل. فالتنوع الثقافي الغني، بما يحمله من لغات ولهجات وعادات وتقاليد، لا يمثل فقط صورة من صور التعدد، بل يشكل أرضية خصبة لبناء هوية سودانية وطنية جامعة تتجاوز الهويات الضيقة وتنطلق نحو أفق أوسع من الانتماء المشترك. وفي الوقت ذاته، تبرز الفنون والموسيقى والدراما كأدوات فاعلة في ترسيخ قيم السلام، وتحفيز الوجدان والمزاج الجمعي، وتفعيل دور المرأة والشباب في بناء مستقبل أكثر إشراقًا.
وفي سياق متصل، تمثل المهاجر اي الدياسبورا السودانية موردًا معرفيًا واقتصاديًا واستثماريًا بالغ الأهمية، إذ تسهم في نقل التجارب والخبرات، وتدعم جسور التواصل مع العالم، مما يعزز من فرص التنمية الداخلية ويقوي صورة السودان خارجيًا. وتكمن خصوصية المشهد السوداني كذلك في رمزية التصوف والطرق الصوفية والإدارة الاهلية والنخب المجتمعية والنجوم في مختلف القطاعات ذات الصلة، التي تروّج لقيم التسامح والاعتدال، وتربط السودان بامتدادات روحية وثقافية في محيطه الإقليمي، بما يفتح أمامه آفاقًا جديدة للتأثير والقبول. وهي بهذا تصبح جسراً للتآخي الإنساني والتواصل مع الاخر.
وفي سياق البناء الوطني، فإن توظيف هذه المقومات الناعمة لا يقتصر على البعد الرمزي فقط، بل يمتد إلى دعم الاقتصاد عبر الصناعات الإبداعية، والسياحة الثقافية والتراثية ، وتفعيل الدبلوماسية الشعبية، مما يعزز من مكانة السودان كفاعل حضاري وإنساني في محيطه الإقليمي والدولي. ومن هنا، فإن الوعي بالقوة الناعمة وتطوير أدوات استثمارها، يعد ضرورة وطنية لتعزيز السلم، وتحقيق التنمية، وبناء سودان المستقبل بدعم وتبني من الدولة والقطاع الخاص .
غني عن القول، إن توظيف القوة الناعمة في السودان ليس رفاهًا ثقافيًا، بل ضرورة تنموية، حيث تتيح هذه الأدوات فرصًا اقتصادية واعدة في مجالات السياحة، والصناعات الإبداعية، والدبلوماسية الشعبية الثقافية، وتُعد مدخلًا لتحقيق السلام المجتمعي، وتحفيز طاقات المرأة والشباب، وخلق بيئة جامعة لبناء وطن يتسع للجميع.
من ناحية أخرى، يمكن للدولة أن توظف رصيدها من القوة الناعمة وتحفزه لغاياته، وهو ما يشمل التنوع الثقافي، والإرث الحضاري، والرمزية الدينية، والإبداع الفني،كمصدر دعم فعّال يعزز مكانتها داخليًا وخارجيًا، وذلك عبر بناء استراتيجية وطنية متكاملة تفعّل هذا الرصيد الكنز في مجالات التعليم، الإعلام، والدبلوماسية الثقافية. فمن خلال الترويج لهويتها الثقافية، ودعم صناعاتها الإبداعية، وتقوية علاقاتها مع الشعوب عبر برامج التبادل والتواصل الإنساني، تستطيع الدولة أن تصنع لنفسها حضورًا عالميًا ناعم التأثير، يدعم الاقتصاد، ويعزز السلم المجتمعي، ويقوّي صوتها وصورتها في المحافل الدولية، فيتحول المخزون الثقافي من مجرد تراث رمزي بلا حراك فعال إلى أداة حيوية في البناء الوطني والنهوض الحضاري والتفاعل الاقليمي والعالمي.

