اقتصادات العالم النامي والنظريه (النيوليبرالية).
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
كبير الخبراء، برنامج الخليج العربي للتنمية، ىجفند.
ليس هناك خلاف مع النظرية (النيوليبرالية) التي اعتمد عليها البنك الدولى وصندوق النقد الدولى في وضع سياساته للاصلاح الهيكلي والتثبيت الاقتصادي. اذ انها وفي ظل الافتراضات التي قامت عليها محكمة كنظرية للاقتصاد الغربي تعمل على معالجة الاختلالات الداخلية والخارجية، لكن هذه افتراضاتها غير منطقية في حالة تطبيقها في الاقتصادات النامية التي تتميز باختلافات اجتماعية واقتصادية تعمل على ايجاد نتائج مختلفه. لذلك فان نتائجها في هذه الدول دائما تكون سالبة. في هذا المقال سنتناول فقط الحوافز السعرية في الاقتصاد الزراعي الريفي وكيف أن افتراضاتها ليس لها علاقة بالواقع في الريف السوداني.
تعتمد الغالبية العظمى من أفقر أسر العالم على الزراعة في معيشتها. وحسب تحليلات البنك الدولى غالبًا ما كانت مكاسبهم مُنخفضة بسبب سياسات بلدانهم، التي كانت ولا زالت، حسب رؤية البنك والصندوق، تتسم بتحيزات مؤيدة للمناطق الحضرية ومعادية للزراعة الريفية والتجاره ليس فقط بعدم تقديم الحوافز لقطاع الحيازات الزراعية الصغيرة التي يعتمد عليها بشكل كبير في توفير الغذاء والصادرات بل أيضا بفرض ضرائب ورسوم على المنتجين . ولا خلاف على ذلك التحليل. لكن الخلاف في السياسات التي وضعها البنك في التحفيز الزراعي وتتلخص في البعد عن شراء المحاصيل الزراغية من صغار المزارعين بواسطة الهيئات الزراعية شبه الحكومية مثل مؤسسات الحبوب الزيتيه والقطن في السودان التي تقدم للمنتج أسعارا تقل كثيرا عن اسعار السوق العالمي الذي تصدر الية هذه السلع.
وبينما أحرزت العديد من البلدان النامية تقدمًا على مدى العقدين الماضيين في الحد من هذه التحيزات في السياسات، لا تزال العديد من التحيزات في السياسات ضد الانتاج الزراعي والتشوهات السعرية التي تُقلل من الرفاه والتجارة لدي صغار المنتجين ماثله وبقوة، بمعنى أن كثير من منتجي الأغذية في البلدان النامية لازالوا غير محميين من منافسة الواردات أو لا يتقاضون أسعار سوقية محفزة، على الرغم من الغاء الهيئات شبه الحكومية التي كانت سببا في تشوه الأسعار. ويرجع السبب في الفروقات بين سعر المزرعة وسعر المستهلك لوجود عدد كبير من السماسرة والوسطاء كما نراه في أسواق المنتجات الزراعية والبستانية في المدن السودانية. الغاء الهيئات غير الحكومية في البلدان الأفريقية حسب توجيهات البنك الدولى جعل صغار المزارعين تحت رحمة السماسرة مما حولهم كالمستجير من الرمضاء بالنار. هذا ما يسمي بتشوه أسعار المنتجات الزراعية الذي يعرف بأنه الفجوة بين سعري المنتج الحقيقي في الأسواق المحلية والعالمية والسعر الذي يأخذه المزارع في بوابة المزرعة. وفي حالة التنافس المثالي لمنتج زراعي متجانس وفي غياب العوامل الخارجية، وهوامش ربح التسويق من المُنتِج إلى المُستهلِك بالجملة والتجزئة، وتشوهات أسعار الصرف، وتكاليف التجارة المحلية والدولية، سيُعظّم هذا البلد الرفاه الاقتصادي الوطني من خلال السماح لأسعار المُنتِج والمُستهلِك المحلية لهذا المنتج بأن تُساوي سعر الصرف بالعملة المحلية لهذا المنتج المُماثل في السوق الدولية. أي أن أي اختلاف تفرضه الحكومة عن هذين المُساواتين، في غياب أي إخفاقات في السوق أو عوامل خارجية، من شأنه أن يُقلل من الرفاه للمزارع الصغير، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي يتعرض لها صغار المنتجين دون تعويضات وبدون أن يكونوا السبب في هذه التغيرات. الغريب في الأمر أن الصناعات الزراعية التحويلية المنافسة للواردات حظيت بالحماية المتكرره من خلال التعريفات الجمركية على الواردات، مع غياب الحوافز الزراعية للمنتج المحلي.
ليس لدي خلاف مع تحليل البنك الدولى للتشوهات وضرورة الحوافز السعرية، لكن الخلاف في أن النظرية التي بنيت عليها هذه الحوافز بها اشكاليات في تطبيقها في الدول النامية. وفي دراسة قمت بها في بداية التسعينات في اقليم دارفور حول هذا الموضوع مموله من مؤسسة فورد الأمريكية، توصلت الى أن الحوافز الزراعية السعرية للمنتج الزراعي صغير الحجم لزيادة الانتاج الزراعي لا تعمل كما هو محدد لها في النظرية. المرأة الدارفورية تقضي أغلب وقتها في جمع الحطب وادارة شؤون المنزل ورعاية الأسرة والمجاملات المجتمعية وغيرها، للدرجة التي لا يبقي لها وقت لبذل جهد أكبر في المزرعة حتي في حالة وجود حوافز سعرية تشجع زيادة الانتاج. كما أن بعض العادات في الاقليم تترك العمل الزراعي للمرأة كليا ويذهب العائد الزراعي لتصرف الرجل، وهناك تخوف من المرأة أن يقوم الرجال حالة زيادة دخله بالزواج مره ثانية. هذه العوامل تضحد النظرية الزراعية السعرية. هذا مثال واحد يوضح اخفاق النظرية النيوليبرالية في فهم واقع الاقتصاد النامي، خاصة في أفريقيا.

