كيف جرى استخدام الحرب النفسية في العدوان المفتوح على السودان”٢-٢ “!؟
السفير.د.معاوية التوم
أشرت في المقال السابق الي عظم تبعات الحرب النفسية التي رافقت هذه الحرب المفروضة وما تزال، والعدوان المفتوح على السودان منذ أبريل ٢٠٢٣م. وهي للأسف مستمرة بشكل صادم ومفجع. وأوردت بعض الأمثلة لأنماط واشكال ادارتها الكترونياً، وتتبعنا عبر التحليل نماذجها على المشهد الداخلي، من قبل ثلاثية الحرب (الدعم السريع، الإمارات،، تشكيلات قحت) ، ومن يناصرونهم من دول وشبه دول ومنظمات ستكشف عنهم الأيام . وقلنا ان غاية هذه الحرب فوق الموت والخراب والإفقار والفقد ، هو تذويب الهوية الثقافية الوسطية المحافطة للبلاد واستبدالها ببناء إفريقي مستجلب (عربان الشتات وغيرهم من المرتزقة) بتوجه علماني لا ديني ينفذ مشروعا خارجيا قديما يظل حلما. ودللنا عن حجم الصدمات والأزمات النفسية المركبة التي وقعت على شعبنا والتي تحتاج لسنوات للتعافي من ويلاتها. ولكن هنالك بعدا آخرا أكثر شراسة وفداحة في تمظهراتها، خاصة ما يتصل بالجانب التقني للحملات النفسية الرقمية، أو في أبعاد الأثر المجتمعي غير المنظور للحرب النفسية في مناطق النزاع؟. وإسقاطاته الجسيمة على مجمل شؤون الحياة بالداخل والخارج . ورأيت من الضروري تبيان خطر هذه الجزئية، بحسبان أن من قاموا بالحرب مجتمعين. على تفوقهم في التخطيط والعدة والعتاد والتسليح والآليات والمرتزقة والمقاتلين والاتصالات والتشوين الذي اعد له باكرا، إلا أن التقانة والرقمية كانت ذات بعد خاص في مخططهم .،لذا رأيت أن أنوسع بصفة معمقة بذات النهج الذي أعملناه سابقا على أطرافها الثلاثة لإيضاح الأثر الكلي الشامل من هذه الحرب اللعين، وما رصد لها من موازنة وامكانات وقدرات بشرية ومادية وتقنية. و نحلل هنا عبر المقال الثاني للأدوات والمنصات المستخدمة، ضمن سياق التدخلات الأجنبية في السودان بعد (الثورة وما قادت اليه).
الحرب النفسية الرقمية:
المعركة على الشاشات والهواتف
في ظل الثورة الرقمية، أصبحت الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات الفيديو، وتطبيقات المراسلة أدوات مركزية في تنفيذ استراتيجيات الحرب النفسية، لا سيما في بيئات هشّة سياسيًا مثل السودان. وقد طوّرت الجهات المتدخلة أدوات متقدمة تستند إلى الذكاء الاصطناعي، والتحليل السلوكي، والهندسة الاجتماعية لتحقيق أهدافها.
أولاً: الدعم السريع والمنصات الرقمية كسلاح نفسي
1. الجيش الإلكتروني للدعم السريع
• قام الدعم السريع قام بإنشاء شبكات حسابات وهمية (bots) على تويتر وفيسبوك لنشر رسائل مؤيدة له أو لتضليل الرأي العام.وتابعنا كيف ألغيت العديد من الحسابات عقب استبيان هذه الشبكات لواقع الجرائم التي تقع وتوثق بواسطة جنودهم انفسهم.
• استخدمت هذه الحسابات تقنيات إعادة التوجيه الممنهج (coordinated inauthentic behavior) لإعادة نشر محتوى دعائي بصيغ مختلفة توحي بتعدد المصادر.
2. الترويج لمحتوى مرئي صادم
• تم استخدام فيديوهات حية أو مفبركة تُظهر “سيطرة قوات الدعم السريع” على مواقع استراتيجية، أو “فرار الجيش”، والاغتصاب لبث الذعر والإرباك لدى المواطن وداخل المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني.
• اعتماد واضح على “التضخيم البصري” من خلال المونتاج، وإضافة مؤثرات صوتية أو موسيقية لخلق أثر نفسي أقوى.
. وليس أدل على ذلك من البيانات الصوتية وعبر الصورة لقائد التمرد التي لم ترد إلا بعد ٦ اشهر من الحرب !؟.
3. التجسس الرقمي واختراق الخصوصية
• تم تداول تقارير عن اختراق هواتف معارضين سياسيين أو صحفيين، وتسريب محتوياتهم الخاصة، واستخدامها كأداة للابتزاز أو التشويه.
• برامج تجسس مثل Pegasus (الذي تورطت فيه جهات إماراتية من قبل) يُشتبه في استخدامه لتعقّب النشطاء.
ثانياً: الدور الإماراتي في دعم الحرب النفسية الرقمية
1. الخبرة التقنية والدعم اللوجستي
• تمتلك الإمارات خبرات متقدمة في حملات التأثير الرقمي، من خلال شركات مثل “DarkMatter” و”NSO Group”، وبعضها متورط في أنشطة سيبرانية هجومية وقفت عليها الأجهزة المختصة بالسودان.
• يعتقد أن هذه الخبرات نُقلت جزئيًا إلى وكلاء محليين في السودان، أو تم استخدامها بالنيابة عنهم. وعبر منصات المدفعية بعيدة المدي والراجمات المتحركة والمسيرات التي أدخلت بعد اكثر من عام .
2. حملات موجهة من الخارج
• أنشأت الإمارات شبكات ناطقة بالعربية تعمل من خارج السودان، مهمتها تضخيم سردية معينة، كـ”الدعم السريع أداة استقرار”، أو “الجيش يتحالف مع الإسلاميين، وما الي ذلك من جدليات انصرافية ليسهل تسويق منظومات قحت و حمدوك او أن الجيش يصنع كتائب متطرفة وداعشيين ”.
• رُصدت حملات إعلانية مدفوعة على فيسبوك وإنستغرام تستهدف الجمهور السوداني، مما يشير إلى استخدام الاستهداف الديموغرافي الدقيق بمادة معدة بحذاقة لضرب مكونات المجتمع وخلخلته للتحول للحرب الاهلية .
ثالثاً: قوى الحرية والتغيير والحرب النفسية الرقمية
1. خطاب التعبئة المضادة
• لجأت بعض مكونات قحت إلى حملات تويترية مركزة عبر رسوم مثل #لا_للانقلاب و#مليونية_30_يونيو، كانت تهدف إلى تحفيز الشارع، لكنها أحيانًا تبنّت خطابًا يحوي إشارات تخوينية ضد أطراف أخرى من قوى الثورة.
• كما تم استخدام فيديوهات توثق قمع الاحتجاجات لإثارة العاطفة الشعبية، وهي أدوات فعّالة لكنها أيضًا تُستخدم أحيانًا بطريقة انتقائية.
2. الخلافات الإلكترونية داخل المعسكر المدني
• استخدمت بعض الأطراف في قحت حسابات موجهة للنيل من لجان (المقاومة ) والتي هي احدى واجهاتهم عبر وصفها بـ”غير الناضجة سياسيًا”، أو “المدفوعة من الخارج لتسويق البديل ”.
• ظهرت حملات على تليغرام وواتساب تهدف إلى إرباك تنسيقيات المقاومة، عبر تسريب جداول مزيفة أو خلق انقسامات حول المسارات الثورية واحداث الانتقال .
رابعاً: التكنولوجيا كساحة صراع خفية
1. التحكم في الإنترنت
• لوحظت حالات قطع ممنهج للإنترنت خلال أحداث حساسة، وهو ما يرجح وجود تنسيق بين أطراف داخلية وجهات تملك نفوذًا على مزودي الخدمة (وربما بدعم خارجي) في تنميط متعمد وقوى خفية .
• هذا القطع كان أداة استراتيجية لكتم صوت المعارضة الرقمية، وإرباك التواصل بين الكتل الثورية وفصلها لصالح المخطط الرئيس.
2. تحليل السلوك الرقمي
• هناك مؤشرات على استخدام أدوات تحليل البيانات الضخمة لتتبع المزاج العام، واستهداف النشطاء بمحتوى مصمم خصيصًا للتأثير عليهم نفسيًا (مثال: رسائل تُظهر يأسًا أو عزلة) عكف على تصميمها خبراء ومختصين في علوم الحرب النفسية .
الحرب النفسية الرقمية كسلاح احتلال ناعم
في سياق التدخلات الأجنبية، تُعد الحرب النفسية الرقمية أداة شديدة الفعالية، تُستخدم لتفكيك الإرادة الجماعية، وتحويل المعركة من ميادين القتال إلى شاشات الهواتف. وقد أتقن الفاعلون المحليون والخارجيون في السودان عبر شبكاتهم ومنصاتهم المنتشرة هذه اللعبة، فحوّلوا الفضاء الرقمي إلى ساحة معركة خفية، ولكن لا تقل فتكًا من حيث الآثار و النتائج.
خاتمة :
على خلفبة ما أشرنا اليه عن الآثار والأدواء المترتبة والناجمة عن مخاطر هذه الهجمة العدوانية الشريرة على بلادنا وشعبنا. وغرف القيادة والسيطرة الإلكترونية التي تدار من الخارج ، والحملات المنظمة بتنسيق عالي. والجراح الغائرة والآلام والفقد التي خلفتها، لابد للإقليم من حولنا والعالم أجمع أن يقف على تبعات هذا التآمر المنظم على بلادنا كأرض ودولة وشعب بالأرقام والإحصاءات والصور والمشاهد ليدركوا عظم الكارثة النفسية التي حلت بنا. بل و يتبيّن من خلال استعراض أبعاد الحرب النفسية وآثارها على السودان، أن هذه الحرب لم تقتصر على الجبهات العسكرية كما ادعت أطرافها ، بل تسللت إلى عمق الوعي الجمعي، والكيان المجتمعي المدني بأكمله مخلّفةً آثاراً نفسية واجتماعية عميقة طالت الفرد والمجتمع على حد سواء. فقد ساهمت في تفتيت الثقة بين مكونات الشعب، وزرعت الشك والخوف، وأضعفت الروح الوطنية وكادت أن تذهب بتماسك المجتمع ككتلة . إن معالجة هذه الآثار تتطلب مقاربة شاملة تتكامل فيها يد الدولة والمجتمع في توظيف الجهود النفسية، والاجتماعية، والإعلامية، والتربوية، لبناء وعي جمعي وطني مقاوم وترميم ما تهدّم من النسيج الوطني، وتوفير منصات وخبراء وقدرات لإدارة حملات معالجات الصدمات النفسية وتتبع درجات التعافي خلالها والتقدم المحرز.بل هنالك حاجة ماسةلتدابير وقائية و لاستدعاء التجارب الاقليمية والدولية في معالجة الاثار التي خلفتها الحرب التنفسية على البلاد ، واستمرار الدولة في اشاعة منصات التوعية المجتمعية والبرامج الهادفة للتبصير بمخاطرها الممتدة وسبل المعالجة والتعافي من الصدمات .

