“الحوكمة والإصلاح الإداري والمؤسساتي في السودان بعد ثورة 2019″
السفير.د. معاوية التوم
1. المقدمة
شهد السودان في ديسمبر من عام 2018 وأبريل 2019 انطلاقة ثورة شعبية كاسحة قادتها وتشاركت فيها كافة القوى الشبابية والمهنية والمدنية، أنهت ثلاثة عقود من الحكم لنظام الإنقاذ بقيادة عمر البشير. وقد أعقب هذه الثورة مرحلة انتقالية معقدة، اتسمت بتعقيداتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وشهدت ضغوطا دولية واقليمية كثيفة وتدخلاتي الشأن الداخلي ، وتنازعًا بين المكونين المدني والعسكري، مما أعاق إلى حد كبير عملية التحول الديمقراطي والإصلاح المؤسسي، من واقع الاختطاف الذي لازم الثورة من قبل ما يسمى (بقوى الحرية والتغيير) ومصادرتها للتغير وأعمال برنامج لم يكن يلبي طموحات وأجندات الداخل وتطلعات الشعب السوداني.
برزت في هذه المرحلة تحديات ضخمة تتعلق بإعادة بناء الدولة، وتطوير مؤسساتها العامة، وتعزيز الحكم الرشيد، مما جعل موضوع الحوكمة والإصلاح الإداري والمؤسساتي من أكثر القضايا إلحاحًا. وما تعرضت له الخدمة المدنية من تشويه، فضعفت المؤسسات، وتفشي الفساد والمحسوبية ، وتآكلت الثقة بين الدولة والمجتمع، وانعدام الشفافية، كانت جميعها من المظاهر التي ورثتها الدولة السودانية من عهد ما قبل الثورة، واستمرت — بل تفاقمت — في ظل هشاشة المرحلة الانتقالية، والتجريف الذي أصاب الخدمة المدنية.
تهدف هذه الورقة إلى دراسة واقع الحوكمة على خلفية ما جرى في السودان بعد الثورة، وتحليل أداء المؤسسات العامة، واستعراض التحديات البنيوية التي تعيق الإصلاح الإداري، مع تقديم توصيات عملية يمكن أن تساهم في بناء دولة ذات مؤسسات فعالة، وقادرة على إدارة التنوع وتحقيق العدالة والتنمية المجتمعية والإدارية المستدامة . كما تتناول الورقة تجارب مقارنة لبلدان خرجت من أزمات مشابهة، من أجل الاستفادة من نماذج الإصلاح المؤسسي الناجحة في إقليمنا.
2. الإطار النظري المفاهيمي:
يتطلب فهم مسألة الحوكمة والإصلاح الإداري والمؤسساتي في السودان، الإلمام بالمفاهيم النظرية التي تشكل القاعدة المرجعية لهذا الحقل. وتُعد هذه المفاهيم ضرورية لتأطير التحليل وقياس مدى التقدم المحرز أو التعثر في تطبيق الإصلاحات التي جرت والقوانين واللوائح التي تنظم عمل الموسسات وأجهزة الرقابة.
أولاً: مفهوم الحوكمة (Governance)
الـحوكمة، بمفهومها العام، تعني مجموعة الآليات والعمليات التي تُمارس من خلالها السلطة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، وتشمل الطريقة التي توزع و تُدار بها الموارد العامة، وتُتخذ بها القرارات، وتُمارس بها الرقابة. وعند الحديث عن الحوكمة الرشيدة (Good Governance)، يُقصد بها المعايير التي تحقق الفاعلية، النزاهة، الشفافية، والمساءلة في الإدارة العامة، وأجهزة الرقابة الإدارية والرصد والتقييم.
تشمل الحوكمة الرشيدة العناصر الآتية:
• الشفافية: إتاحة المعلومات ووضوح الإجراءات الحكومية.
• المساءلة: إخضاع المسؤولين العموميين للمحاسبة أمام القانون والمجتمع.
• المشاركة: إشراك المواطنين والمجتمع المدني في اتخاذ القرارات.
• سيادة القانون: تطبيق القوانين واللوائح بشكل عادل على الجميع.
• الفعالية والكفاءة: تحقيق الأهداف بأقل الموارد وأفضل النتائج.
• العدالة: توزيع الموارد والخدمات بشكل عادل بين المواطنين.
ثانياً: الإصلاح الإداري
يشير الإصلاح الإداري إلى الجهود المبذولة لإعادة تنظيم وتطوير الأجهزة الإدارية للدولة، ومنظومة الرقابة بهدف رفع كفاءتها وفاعليتها. ويشمل هذا النوع من الإصلاح ما يلي:
• إعادة هيكلة الخدمة المدنية: فصل الوظيفة العامة عن الولاءات السياسية، واعتماد مبدأ الجدارة والكفاءة.
• تبسيط الإجراءات: تقليل التعقيد والبيروقراطية في تقديم الخدمات.
• التدريب وبناء القدرات: تأهيل الكوادر الحكومية لمواكبة التحديات الحديثة.
• تحسين نظم التقييم والمساءلة: لضمان الأداء الوظيفي العادل والمجدي.
ثالثاً: الإصلاح المؤسساتي
يرتبط الإصلاح المؤسساتي بإعادة بناء أو تطوير الهياكل والمؤسسات الرسمية للدولة، لضمان قدرتها على أداء وظائفها الدستورية والتشريعية والتنفيذية بفعالية، والتوازن الأفقي والرأسي بالدولة ويتضمن:
• إصلاح الأطر القانونية: تعديل القوانين المنظمة للمؤسسات العامة لتتماشى مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.
• استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية: حماية مؤسسات العدالة والمراجعة من التدخلات السياسية.
• ضمان الحوكمة داخل المؤسسات نفسها: أي أن تكون المؤسسات خاضعة لمبادئ الشفافية والمساءلة داخليًا مع مراجعة القوانين والتشريعات واللوائح التنظيمية .
يمثّل الربط بين هذه الأبعاد الثلاثة (الحوكمة، الإصلاح الإداري، والإصلاح المؤسساتي) مفتاحًا لفهم طبيعة الأزمة السودانية بعد الثورة، ويضع الأساس لتحليل التحديات في المحاور اللاحقة.
3. السياق السوداني بعد ثورة 2019
أحدثت ثورة ديسمبر 2018 /2019 نقطة تحول مفصلية في التاريخ السياسي السوداني، حيث أطاحت بنظام حكم شمولي به بعض الانفتاح استمر لما يزيد على ثلاثة عقود، تميز خلالها بقمع الحريات، وتغوّل الأجهزة الأمنية، وفساد مؤسسي ممنهج. وقد أدى هذا الإرث الثقيل إلى واقع هش للدولة ومؤسساتها، كان لا بد من معالجته ضمن مشروع شامل للإصلاح.
أولاً: المشهد السياسي والانتقالي
أُعلن في أبريل 2019 عن تشكيل مجلس عسكري انتقالي، ما لبث أن دخل في مفاوضات مع قوى الحرية والتغيير، أفضت إلى توقيع الوثيقة الدستورية في أغسطس من العام نفسه، والتي أرست معالم فترة انتقالية من ثلاث سنوات (قابلة للتمديد)، يُفترض أن تنتهي بقيام انتخابات عامة وتحول ديمقراطي.
لكن هذه المرحلة تعثرت بفعل عدة عوامل:
• الازدواج في السلطة بين المكونين المدني والعسكري.
• غياب مشروع وطني موحّد لإعادة بناء الدولة.
• استمرار نفوذ الدولة العميقة داخل مؤسسات الحكم، ومطامع تيارات ما بعد الثورة وغياب الرؤية لديها.
• تدخلات إقليمية ودولية تعمق الاستقطاب السياسي.
ثانياً: هشاشة البنية المؤسسية
ورثت الحكومة الانتقالية مؤسسات ضعيفة ومترهلة، تعاني من:
• تفكك في الهياكل الإدارية.
• عدم كفاءة الكوادر بسبب تسييس الخدمة المدنية.
• تضخم الأجهزة الحكومية وتداخل الصلاحيات.
• غياب نظام فعال للمتابعة والرقابة والتقييم في المؤسسات العامة.
وقد أسهمت هذه العوامل في استمرار الأداء الضعيف لمؤسسات الدولة، وفي تعميق الفجوة بين الحكومة والمواطنين، مما أدى إلى تراجع الثقة الشعبية في جدوى التغيير. ومحدودية قدرات قوى التغيير وغياب نهج الإصلاح المؤسساتي لديها.
ثالثاً: الحرب وتأثيرها
مثّلت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 التي شنتها قوات الدعم السريع المتمردة على الدولة والشعب تحولًا كارثيًا في المسار الانتقالي، حيث:
• انهارت مؤسسات الدولة في العاصمة وعدة ولايات.
• تعطلت أجهزة الخدمة المدنية وانهار النظام القضائي والعدلي في بعض المناطق.
• توسع نطاق الفساد والتهريب نتيجة غياب الرقابة الحكومية.
• ازدادت معاناة المواطنين بسبب غياب الخدمات الأساسية وانتشار النزوح والهجرة الداخلية واللجوء.
وفي ظل هذه الأوضاع، أصبحت قضية الحوكمة والإصلاح الإداري والمؤسساتي ليست مجرد قضية تنموية، بل مسألة بقاء للدولة السودانية وتماسكها.
4. تقييم الواقع المؤسسي والإداري في السودان
يعد تقييم الواقع الإداري والمؤسسي في السودان خطوة أساسية لفهم حجم التعقيدات و التحديات التي تواجه عملية الإصلاح، خاصة في ظل تراكمات ممتدة منذ عقود، وانهيارات متسارعة عقب الثورة، تفاقمت بصورة دراماتيكية بعد اندلاع الحرب والعدوان المفتوح على البلاد في عام 2023. ويمكن تلخيص هذا الواقع في ثلاثة أبعاد رئيسية:
أولاً: ضعف البنية المؤسسية
تعاني المؤسسات العامة في السودان من ضعف هيكلي عميق يتمثل في:
• غياب مبدأ الفصل بين السلطات، حيث تداخلت صلاحيات السلطة التنفيذية مع التشريعية والقضائية، مما أضعف قدرة هذه المؤسسات على الرقابة المتبادلة.
• تسييس المؤسسات، من واقع المحاصصات والشراكات الهشة، حيث تم تعيين أفراد غير مؤهلين بناءً على الولاء السياسي أو القبلي، او المناطقي لا على أساس الكفاءة.
• تآكل استقلالية المؤسسات الرقابية، كديوان المراجعة القومي والنيابة العامة، وديوان العدالة مما حدّ من فعاليتها في مكافحة الفساد.
ثانياً: تدهور الإدارة العامة
تُعد الإدارة العامة، وخاصة الخدمة المدنية، العمود الفقري للدولة، إلا أنها في السودان تشهد:
• نقصاً حاداً في الكفاءات البشرية نتيجة هجرة العقول، وتراجع مؤسسات التدريب والتأهيل الوظيفي وبرامجها دخل الموسسات وخارجها.
• ترهلاً إدارياً كبيراً مع تضخم الجهاز الوظيفي وغياب التوصيف الوظيفي الدقيق.
• ضعف نظم العمل، واعتماد الإدارة على النماذج الورقية والقرارات الفردية لا النظم المؤسسية المؤتمتة.
• تدني الأجور والحوافز، مما ساهم في انتشار الرشى والمحسوبية، وأضعف الانضباط الوظيفي.
ثالثاً: تفشي الفساد وانعدام الشفافية
يشكل الفساد الإداري والمالي أحد أبرز معوقات الإصلاح في السودان، ويظهر في عدة صور:
• الفساد في التعيينات الحكومية، وتوزيع الوظائف بناءً على الانتماءات الحزبية أو الجهوية.
• غياب الشفافية في إدارة الموارد العامة، كعائدات الذهب والنفط والأراضي الحكومية.
• ضعف نظم الرقابة والمساءلة، حيث لا تُفعّل تقارير ديوان المراجعة القومي، ولا يُحاسب المسؤولون عن التجاوزات.
إضافة إلى ذلك، فإن غياب الإرادة السياسية الجادة، وتداخل المصالح داخل مؤسسات الدولة، حال دون أي إصلاح جوهري منذ الثورة، وتضارب مصالح مكوناتها، رغم التطلعات الشعبية الكبيرة نحو بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون.
5. التحديات الرئيسية أمام الحوكمة والإصلاح في السودان
رغم الحاجة الملحة لإجراء إصلاحات شاملة في بنية الدولة السودانية، إلا أن هذا المسار يواجه عقبات معقدة ومتداخلة تعرقل تقدم الحوكمة وتضعف فعالية المؤسسات. وتتنوع هذه التحديات بين ما هو سياسي، وما هو إداري، تنظيمي وما يرتبط بالبنية الاجتماعية والاقتصادية، ويمكن حصر أبرزها فيما يلي:
أولاً: الانقسام السياسي وفقدان التوافق الوطني
• تتسم الساحة السودانية بعد الثورة بقدر كبير من الاستقطاب السياسي الحاد والتشظي بين المكونات المدنية والعسكرية، وداخل المعسكر المدني نفسه.
• لم تنجح القوى السياسية في التوصل إلى مشروع وطني جامع يُحدد أولويات المرحلة الانتقالية، ويستجيب للمبادرات الوطنية والرؤية القومية الكلية، وهو ما انعكس سلباً على قدرتها في قيادة إصلاح مؤسسي متسق.
• فشلت مبادرات بناء الثقة في خلق أرضية مشتركة بين أطراف النزاع، خاصة بعد تفجر الحرب ومآلاتها في أبريل 2023.
ثانياً: تغوّل الأجهزة الأمنية والعسكرية على المؤسسات المدنية
• شكّلت العلاقة المتوترة بين المكون العسكري والحكومة المدنية أحد أبرز العوائق أمام استقرار المؤسسات.
• أدى تغوّل الأجهزة العسكرية إلى تعطيل عدد من المبادرات الإصلاحية، في احتكار الإشراف الكامل وتوجيه مؤسسات الدولة، والتأخر في تكوين الحكومة الانتقالية من الكفاءات والتكنوقراط . كما استمرت التدخلات الأمنية في قطاعات مدنية مثل الاقتصاد والخدمات العامة.
• وجود مؤسسات موازية خارج النظام الإداري الرسمي — مثل قوات الدعم السريع أو الشركات العسكرية وغيرها — أضعف سلطة الدولة ومصداقية مؤسساتها.
ثالثاً: غياب الإرادة السياسية للإصلاح
• على الرغم من الخطابات المتكررة حول الإصلاح، إلا أن الواقع يكشف عن غياب إرادة سياسية حقيقية للتغيير الجذري.
• تتردد السلطات الانتقالية في اتخاذ قرارات حاسمة تتعلق بتفكيك بقايا النظام السابق، أو محاسبة الفاسدين، خوفاً من ردود الفعل أو فقدان الحلفاء.
رابعاً: الضعف المؤسسي والإداري المتراكم
• تفتقر المؤسسات العامة للبنية التحتية الأساسية وللكوادر المؤهلة، جراء الأضرار والمكايدات التي لحقت بها .
• تعاني الإدارات من غياب قواعد البيانات، وضعف استخدام التكنولوجيا، والحوسبة مما يعطل تقديم الخدمات ويمنع التخطيط السليم.
• لا توجد رؤية مؤسسية واضحة لإعادة هيكلة القطاع العام والافادة من قدرات القطاع الخاص المهولة.
خامساً: الأوضاع الأمنية والإنسانية المتدهورة
• أدت الحرب إلى تدمير المرافق الحكومية، ونزوح ملايين المواطنين، وتعطّل كامل في عمل الدولة ودولابها بعدد من المناطق والولايات .
• أصبحت أولويات الدولة تميل إلى إدارة الأزمة وإطفاء الحرائق بدلاً من التفرغ للإصلاح المؤسسي طويل الأمد.
• كما أن المجتمع الدولي أصبح يركّز على الإغاثة على محدوديتها أكثر من دعم مشاريع التنمية والإصلاح.
سادساً: ضعف التمويل وغياب الشفافية المالية
• تعاني الخزينة العامة من عجز مزمن، مع اعتماد مفرط على طباعة النقود والديون.
• لا تخضع العديد من الإيرادات — خاصة تلك التابعة للمؤسسات الأمنية أو الشركات الحكومية الكبرى — لرقابة حقيقية، مما يعقّد أي محاولة لوضع ميزانية إصلاح واقعية وشفافة.
6. الفرص المتاحة للإصلاح والبناء المؤسسي
رغم التحديات الجسيمة التي تواجه السودان بعد الثورة، إلا أن الواقع لا يخلو من فرص مهمة يمكن البناء عليها لدفع عملية الإصلاح قدمًا، إذا توفرت الإرادة السياسية والعزيمة والإرادة الشعبية معًا. وفق منهج اصلاحي شامل ينظر بعين الدولة وأولوياتها المختلفة في كل المسارات. وتتمثل أبرز هذه الفرص فيما يلي:
أولاً: الزخم الشعبي والتطلع إلى التغيير
• لا تزال قطاعات واسعة من الشعب السوداني، لا سيما الشباب، تحمل تطلعات عميقة نحو بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة و سيادة القانون ودولة المؤسسات.
• يشكل الوعي الشعبي المتزايد بأهمية الحوكمة والمساءلة عامل ضغط مهم لدفع النخب السياسية نحو الإصلاح الحقيقي.
ثانياً: وجود موارد بشرية مؤهلة
• يزخر السودان بخبرات بشرية داخلية وخارجية (من الجاليات والمغتربين) في مجالات القانون والإدارة والاقتصاد وتكنولوجيا المعلومات، يمكن تسخيرها في مشاريع الإصلاح.
• يمكن أن تشكّل هؤلاء الكفاءات نواة لفريق وطني مستقل يتولى الإشراف على مشاريع إعادة الهيكلة المؤسسية.
ثالثاً: الدعم الدولي والإقليمي المحتمل
• أبدى المجتمع الدولي — في فترات الاستقرار النسبي — اهتمامًا بدعم السودان في التحول الديمقراطي والإصلاح الإداري، لا سيما من قبل:
• الأمم المتحدة (عبر بعثة UNITAMS) رغمها اطماعها السياسية والأمنية.
• البنك الدولي وصندوق النقد.
• الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية.
• يمكن استثمار هذه الرغبة الدولية عبر طلب مساعدات فنية وتقنية وتمويلية مشروطة بتنفيذ إصلاحات واضحة وقابلة للقياس.
رابعاً: إمكانية الاستفادة من التكنولوجيا والتحول الرقمي
• تتيح ثورة التكنولوجيا الحديثة إمكانية إصلاح نظم الدولة بتكاليف أقل وجهد أكثر فاعلية، عبر:
• رقمنة الخدمات الحكومية.
• بناء قواعد بيانات موحدة ومفتوحة.
• تعزيز الشفافية من خلال أنظمة إلكترونية للمشتريات والتعاقدات.
خامساً: سابقة تفكيك التمكين في بداية الفترة الانتقالية
• تعد تجربة لجنة إزالة التمكين تعميقا لتشوهات الخدمة المدنية، وفرت نموذجًا قبيحا ومستهجنا للبديل المستعار. والذي كان محاولة لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وفق رؤية وأجندات خارجية ومشروع قوامه دول، وتفكيك ما أسمته الشبكات الموازية، دون مراعاة للتجربة بجوانبها المختلفة وإفرازاتها ولا ايجاد بدائل مؤهلة لسد الخلل مما أهار النظام الإداري بكامله.
• يمكن مراجعة هذه التجربة وتطويرها ضمن إطار قانوني ومؤسسي أكثر مهنية وصلابة واستقلالية، دون إقصاء او تهميش او تمييز.
سادساً: انفتاح المجتمع المدني والمهني
• لعبت النقابات المهنية والروابط المدنية أدوارًا رائدة في تاريخ البلاد شوهته الثورة وما بعدها بالتسييس المفرط.
• يمثل انخراط كل الجهات والواجهات في برامج إصلاح الدولة عنصرًا مهمًا للرقابة المجتمعية وتعزيز المساءلة.
7. نماذج مقارنة: تجارب إصلاح مؤسسي ناجحة
تُعد دراسة تجارب الدول الأخرى التي مرت بظروف مشابهة أداة تحليلية مهمة لاستخلاص الدروس والعبر في مجال الحوكمة والإصلاح الإداري والمؤسسي. ونستعرض هنا تجربتين بارزتين: رواندا وتونس، لما تحمله كل منهما من خصوصيات، ولما حققتاه من تحولات ملموسة رغم صعوبات البدايات.
أولاً: تجربة رواندا – من الإبادة الجماعية إلى نموذج الدولة الفعّالة
شهدت رواندا في عام 1994 إبادة جماعية مروّعة خلفت مئات الآلاف من القتلى وانهيارًا كاملًا في بنية الدولة. إلا أنها استطاعت، خلال عقدين فقط، أن تتحول إلى واحدة من أسرع الدول نموًا في إفريقيا، بفضل إصلاحات جذرية في المؤسسات والإدارة العامة. ومن أبرز ملامح التجربة:
• التركيز على إعادة بناء الدولة المركزية، من خلال جهاز إداري كفء وقائم على الجدارة لا الولاء.
• اعتماد سياسة “اللامركزية الذكية”، لتقريب السلطة من المواطنين وتحقيق المشاركة الفعالة.
• محاربة الفساد بشكل صارم، عبر إنشاء مؤسسات رقابية قوية ومستقلة، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
• استخدام التكنولوجيا بكثافة، في الخدمات الحكومية والإدارة، مما حسّن كفاءة الأداء وساهم في الشفافية.
• الاستثمار في التعليم والصحة والتدريب، لبناء كوادر واعية و مؤهلة تواكب حاجات الدولة الحديثة.
ثانياً: تجربة تونس – الإصلاح وسط هشاشة الانتقال الديمقراطي
عقب ثورة 2011، دخلت تونس في مرحلة انتقال ديمقراطي اتسمت بمزيج من النجاح والتحديات، وكان للإصلاح الإداري والمؤسساتي دور مهم في هذا السياق:
• اعتماد دستور جديد في 2014 رسّخ مبدأ الفصل بين السلطات، وكرّس استقلالية القضاء وهيئات الرقابة.
• إصلاحات تدريجية في الإدارة العامة، شملت مراجعة نظم التوظيف، وتبسيط الإجراءات، والرقمنة الجزئية.
• إنشاء هيئات مستقلة مثل هيئة مكافحة الفساد وهيئة الانتخابات، عززت الشفافية والمساءلة.
• رغم الصعوبات السياسية والاقتصادية، إلا أن التجربة التونسية أظهرت أهمية بناء التوافقات السياسية لحماية المؤسسات من الانهيار.
الدروس المستفادة للسودان
• الإرادة السياسية الحاسمة، كما في رواندا، عنصر لا غنى عنه لأي إصلاح حقيقي.
• التدرج في الإصلاح مع الحفاظ على الاستقرار، كما في تونس، مهم لتفادي ردات الفعل السلبية.
• مركزية العدالة الانتقالية لضمان المصالحة المجتمعية وبناء الثقة في مؤسسات الدولة.
• التوازن بين المركز والولايات (أو الحكم الفيدرالي) يمكن أن يعيد توزيع السلطة بفعالية ويقلل من الشعور بالتهميش.
8. التوصيات والمقترحات العملية
استنادًا إلى التحليل الذي تم في المحاور السابقة، يمكن تقديم عدد من التوصيات والمقترحات العملية التي قد تساهم في تعزيز الحوكمة والإصلاح الإداري والمؤسساتي في السودان. هذه التوصيات تأخذ في الاعتبار الظروف الراهنة والفرص المتاحة، وهي مبنية على تجارب مقارنة وبعض المبادئ الأساسية للحوكمة الرشيدة.
أولاً: تعزيز الإرادة السياسية والإجماع الوطني
• إعادة تشكيل الحكومة الانتقالية عبر تضمين مزيد من القوى السياسية والمجتمعية المتنوعة، بما يضمن تكوين كتلة سياسية داخلية ببرنامج وطني وذات قدرة على تنفيذ الإصلاحات الكبرى.
• إبرام اتفاق وطني شامل يتم بموجبه تحديد أولويات الإصلاح السياسي والمؤسسي، وتوحيد الجهود لمكافحة الفساد وتعزيز العدالة الانتقالية.
ثانياً: بناء مؤسسات دولة قوية وفعّالة
• إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية لتكون أكثر مرونة وفاعلية في التعامل مع القضايا الحاسمة مثل التعليم، الصحة، الأمن، والتنمية الاقتصادية.
• اعتماد مبدأ الكفاءة والشفافية في التوظيف، وضمان استقلالية المؤسسات الرقابية كديوان المراجعة القومي، ديوان العدالة ولجنة مكافحة الفساد، والحسبة وغيرها من الهيئات المستقلة.
• تحقيق الاستقلالية الكاملة للسلطة القضائية، بحيث لا تتأثر بالضغوط السياسية أو الأمنية، لضمان حكم وسيادة القانون في جميع المنازعات.
ثالثاً: إصلاح الخدمة المدنية وتحسين الإدارة العامة
• تبني برامج لتدريب وتأهيل الكوادر الحكومية في المجالات الإدارية والقانونية والمالية، من خلال الشراكة مع مؤسسات أكاديمية ومجالس محلية ودولية.
• إدخال رقمنة كاملة في العمل الإداري لتقليل البيروقراطية، وتوفير خدمات أسرع وأكثر شفافية للمواطنين.
• تحفيز الخدمة المدنية عبر تحسين الأجور وحوافز العمل، مع وضع سياسات واضحة لمكافحة الفساد داخل المؤسسات الحكومية.
رابعاً: إصلاح النظام المالي وتعزيز الشفافية المالية
• إعادة مراجعة بناء النظام المالي العام عبر اعتماد مبادئ الشفافية في إدارة الإيرادات والمصروفات، وإشراك المجتمع المدني في مراقبة الموازنات الحكومية.
• تعزيز الرقابة على المؤسسات الاقتصادية مثل قطاع النفط والذهب، ووضع آليات فعّالة لتوزيع عوائد هذه الموارد بما يحقق العدالة ويخدم التنمية المستدامة.
خامساً: دعم آليات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية
• إنشاء لجنة عدالة انتقالية موازية لتنفيذ استراتيجيات المصالحة الوطنية، مع التركيز على تعويض الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
• التوسع في الحوار الوطني بين كافة مكونات الشعب السوداني، مع تعزيز ثقافة التسامح والقبول بالاختلافات ونبذ التمييز والتهميش والإقصاء..
سادساً: تعزيز الشراكة مع المجتمع الدولي
• طلب دعم فني وتقني ومالي من المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في مجالات بناء المؤسسات ، وكذلك من المنظمات الاقليمية وتعزيز نظم الحوكمة ومؤسساتها الوطنية .
• دعم العلاقات الإقليمية مع الجيران، خاصة في مجالات الأمن والاقتصاد التكاملي ، لضمان استقرار السودان في محيطه الإقليمي.
سابعاً: استثمار الشباب والمجتمع المدني
• فتح مجال أوسع لتمثيل الشباب والنساء في مواقع صنع القرار، وتقديم الدعم للمبادرات الشبابية الناهضة التي تعزز ثقافة الحوكمة الرشيدة.
• تشجيع مشاركة المجتمع المدني في كافة مراحل الإصلاح، وخاصة تصوير الخدمة المدنية من التسييس وفي مجال المراقبة والتقييم والتقويم. والمساءلة الشعبية.
خاتمة
إن عملية الإصلاح المؤسسي والإداري في السودان ليست مجرد خيار، بل ضرورة لضمان استقرار الدولة ورفع مستوى حياتها الاقتصادية والاجتماعية. وعلى الرغم من التحديات الهائلة التي تواجهها الحكومة الانتقالية، إلا أن الفرص موجودة لتحقيق تقدم ملموس في بناء دولة ذات مؤسسات قوية، قادرة على خدمة المواطنين وتحقيق التنمية الشاملة.

