العدالة الدولية في المحك: شكوى السودان ضد الإمارات لدى محكمة العدل الدولية نموذجاً!؟
السفير..معاوية التوم
في السنوات الأخيرة، تحوّلت العدالة الدولية من مفهومها الكلاسيكي الذي يستهدف معاقبة الأفراد على الجرائم الخطيرة – كالإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية – إلى ميدانٍ أكثر تعقيداً، تُختبر فيه المبادئ القانونية في مواجهة توازنات القوة السياسية الدولية ونفوذ الإرادات . ولعلّ شكوى السودان الأخيرة ضد دولة الإمارات العربية المتحدة بمجلس الأمن وأمام محكمة العدل الدولية تُعدُّ واحدة من أبرز الأمثلة على هذا الاختبار، حيث تقف دولة في حالة هشاشة سياسية واقتصادية في مواجهة دولة إقليمية ذات نفوذ، متهمةً إياها برعاية ودعم جماعات مسلحة تسهم في تأجيج الصراع الداخلي(قوات الدعم السريع الارهابية)في قتل مواطنيها وتدمير البلاد ونهب قدراتها .
العدالة الدولية: المفهوم والتحديات
نشأت العدالة الدولية المعاصرة مع تأسيس المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، بموجب نظام روما الأساسي لسنة 1998، لتكون أداة لحماية المدنيين ومنع الإفلات من العقاب. غير أن هذا الطموح الحقوقي كثيراً ما يصطدم بواقع العلاقات الدولية، حيث تضع مصالح الدول الكبرى والخلافات الجيوسياسية قيوداً على مدى فاعلية هذه العدالة. وبينما تنص مواد القانون الدولي على مبدأ مسؤولية الأفراد والدول، تبقى آليات التنفيذ رهينة بالتوازنات السياسية.
الحرب على السودان والتدخلات الخارجية
منذ سقوط نظام البشير في 2019، دخل السودان مرحلة انتقالية مليئة بالاضطراب، انتهت بالحرب المفروضة عليه، من قبل قوات الدعم السريع المتمردة في أبريل 2023 برعاية وسند الإمارات وآخرين. ومع تطور الحرب، ظهرت تقارير تشير إلى تدخلات خارجية مباشرة وغير مباشرة، أهمها الرعاية والدعم الذي تقدمه دولة الإمارات لقوات الدعم السريع، وتشاد سواء عبر السلاح أو الموارد المالية أو التسهيلات اللوجستية.
هذه التدخلات لم تعد حديث وسائل الإعلام فقط، بل دخلت أروقة العدالة الدولية، وشواهدها على الأرض والميدان حين أعلنت جهات رسمية سودانية، بالتعاون مع محامين دوليين ومنظمات حقوقية، تقديم شكوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد الإمارات، استناداً إلى المادة 25 و28 من نظام روما الأساسي، التي تتيح تحميل المسؤولية لمن يسهم في ارتكاب الجرائم بشكل غير مباشر.
شكوى السودان: أسس قانونية وسياسية
تستند الشكوى إلى اتهامات بدعم جماعة مسلحة ترتكب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، تشمل القتل، الاغتصاب، التهجير القسري، والنهب واسع النطاق، وهي جرائم تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. التحدي هنا أن الإمارات ليست طرفاً في نظام روما الأساسي، وهو ما يطرح إشكالية اختصاص المحكمة من الناحية القانونية.
إلا أن السودان، بوصفه دولة طرفاً، يملك الحق في طلب التحقيق في الجرائم المرتكبة على أرضه، حتى لو كان أحد المتورطين من دول غير موقعة. وتستند السوابق القانونية للمحكمة إلى حالات مشابهة، مثل الوضع في دارفور أو القضية الليبية، ما يمنح الشكوى السودانية سنداً قانونياً، وإن كانت تعاني من تحديات سياسية كبرى.
ازدواجية المعايير في العدالة الدولية: السودان نموذجاً
من أبرز الانتقادات التي تُوجَّه للمحكمة الجنائية الدولية ومؤسسات العدالة الدولية عامة، هو التحامل غير المعلن على الدول الضعيفة أو غير المحمية بتحالفات دولية قوية، مقابل غض الطرف عن انتهاكات جسيمة ترتكبها دول أو حلفاء أقوياء. وفي حالة السودان، يظهر هذا التحيز جلياً في سرعة ملاحقة قادته السابقين، وفتح ملفات جرائم الحرب في دارفور، في مقابل صمت دولي تجاه دعم أطراف إقليمية – من بينها الإمارات – لجماعات مسلحة متورطة في جرائم مركبة مماثلة بل أشد فداحة.
هذا التفاوت يخلق شعوراً متنامياً في السودان ومناطق عديدة من إفريقيا والعالم العربي بأن العدالة الدولية ليست سوى أداة بيد الأقوياء، تُستخدم لمعاقبة الضعفاء وتبرئة الحلفاء. ويعزز هذا الانطباع فشل المحكمة في ملاحقة مجرمي حرب في دول كبرى، رغم الأدلة الدامغة، مقابل حماسها لملاحقة قادة دول إفريقية وآسيوية أقل تأثيراً.
في ضوء ذلك، تُعد الشكوى السودانية ضد الإمارات اختباراً حقيقياً لقدرة المحكمة الجنائية الدولية على تجاوز الاعتبارات السياسية والانتصار لمبدأ العدالة الشاملة، بعيداً عن موازين القوة والنفوذ.
العدالة بين القانون والسياسة
يبقى السؤال: هل تستطيع المحكمة أن تُحاسب دولة مثل الإمارات؟ الواقع يُظهر أن العدالة الدولية لم تكن يوماً بمعزل عن السياسة. فقد امتنعت المحكمة، مراراً، عن المضي في ملفات حساسة خوفاً من تداعيات سياسية أو نقص التعاون الدولي. ومع ذلك، تُشكّل الشكوى السودانية سابقة مهمة لأنها تتحدى منطق “الحصانة الواقعية” للدول ذات النفوذ، وتدفع بفكرة أن القانون يجب أن يسري على الجميع.
تداعيات ومآلات محتملة:
النتائج المحتملة للشكوى عديدة، فقد تُسهم في زيادة الضغط الدولي على الإمارات، وربما في الحد من دعمها العسكري، أو تضعف موقفها الأخلاقي والسياسي في المحافل الدولية. على خلفية حرب المسيرات التي تقوم بها وأهدافها في تدمير البنية التحتية المدنية وترويع المدنيين .كما أنها تمنح السودان ورقة ضغط دبلوماسي مهمة، رغم أن العدالة القضائية قد تكون بعيدة المنال بسبب بطء الإجراءات وتداخل الاعتبارات الجيوسياسية.
السودان أمام فرصة دبلوماسية وإعلامية نادرة :
لاستخدام هذا القرار الصادر عن محكمة العدل الدولية لتعزيز مشروعية الدعوىوفضح التدخلات الخارجية. اما وقد صدر عن محكمة العدل الدولية بالأمس القرار الذي كان متوقعا وقضي بعدم اختصاصها للنظر في قضية السودان ضد الإمارات بسبب تحفظ الاخيرة على المادة التاسعة من اتفاقية منع الإبادة الجماعية وترفض اصدار امر للتدابير المؤقتة. والذي شكل بؤسا قانونيا للعدالة الدولية وفشلها المتكرر في اقامة مباديء القانون الدولي والمواثيق ذات الصلة . هنا لابد من استخدام كافة الوسائل الدبلوماسية المتاحة لفضح هذا القرار الجائر ومحاصرة الامارات عبر خطة عملية واضحة للتوظيف الدبلوماسي والإعلامي:
أولاً: التوظيف الدبلوماسي
1. إعلان رسمي سريع ومُتقن
• إصدار بيان رسمي من وزارة الخارجية أو مجلس السيادة يصف القرار بأنه “انتصار للعدالة الدولية، وتأكيد على مشروعية المطالب السودانية”.
• الإشارة إلى أن الشكوى استندت إلى حجج قوية وموثقة، رغم الضغط السياسي.
2. تفعيل العمل عبر المنظمات الدولية
• مخاطبة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لإثارة القضية كتهديد للأمن الإقليمي.
• طلب جلسة طارئة للاتحاد الإفريقي والجامعة العربية للتنديد بالقرار.
• التواصل مع المحكمة لتحديد الإجراءات التالية: طلب أوامر توقيف؟ تحقيق ميداني؟ إلزام بالتعاون؟
3. التنسيق مع الدول الداعمة للعدالة الدولية
• طلب دعم سياسي وقانوني من دول مثل: جنوب إفريقيا، كينيا، بلجيكا، هولندا، كندا، النرويج والمنظمات الحقوقية الدولية.
• الدعوة لمراقبة الشركات والأفراد الإماراتيين المتورطين، والسعي نحو فرض عقوبات دولية عليهم.
ثانياً: التوظيف الإعلامي
1. مؤتمر صحفي رسمي
• يضم: الناطق باسم الحكومة، محامين دوليين، وممثلين عن ضحايا جرائم الدعم السريع في كل ولايات السودان ، وتوظيف الإبادة الجماعية للمساليت نموذجا الي جانب الفظائع الأخرى .
• الهدف: شرح دلالات القرار، وفضح جرائم الإمارات وحليفها قوات الدعم السريع المتمردة وتشاد وتوضيح أن ما وقع يؤسس للإفلات من العقوبة ، بل ويعزز دعم سلوك بعض الدول للخروج عن القانون الدولي ومبادئه .
2. حملة إعلامية دولية
• التنسيق مع قنوات وصحف كبرى (BBC، الجزيرة الإنجليزية، NY Times، DW).
• التركيز على رسائل مثل:
• “العدالة لا تخضع للمال والنفوذ”
• “من يدعم القتلة يجب أن يُحاسب”
• “القرار أثبت أن السودان لم يتهم عبثاً”
“العين بالعين والقصاص مدأنا”
3. تعبئة وسائل التواصل الاجتماعي
• هاشتاقات قوية مثل:
• #UAEonTrial
• #SudanJustice
• #NoMoreImpunity
• إنفوجرافيكس + فيديوهات لضحايا يتحدثون عن الأثر المباشر للدعم الإماراتي.
ثالثاً: الرسائل الاستراتيجية الواجب ترسيخها
1. هذا القرار ليس حكماً، بل بوابة لتحقيق شفاف قد يُفضي إلى محاكمة عادلة لمن يقفون وراء الجرائم ومناصرة الحقوق.
2. السودان لا ينتقم، بل يُدافع عن سيادته وكرامة ضحاياه عبر القانون.
3. التدخلات في الشأن السوداني لن تمر بعد اليوم دون حساب.
خاتمة
تُثبت قضية السودان ضد الإمارات أن العدالة الدولية لا تزال ميداناً للصراع بين القيم القانونية والمصالح السياسية والنفوذ والمال . ورغم التحديات، فإن تقديم الشكوى بحد ذاته يُعد خطوة مهمة نحو مساءلة المتورطين، ويؤسس لسوابق قد تردع التدخلات الخارجية مستقبلاً. تبقى العدالة الدولية، وإن كانت بطيئة وغير مكتملة، او فعالة تظل منبراً ضرورياً للضحايا، وأداة لا غنى عنها في مواجهة الإفلات من العقاب في ظل عالم متغير ومليء بالتحديات

