حرب الموانئ وتأثيراتها السياسية والأمنية: البحر الأحمر وحركة التجارة “٢ من ٢”!؟
السفير.د.معاوية التوم
رابعاً: التأثيرات السياسية والأمنية
1. صراعات البحر الأحمر
تشهد منطقة البحر الأحمر تصاعداً في حدة التنافس الإقليمي والدولي، حيث باتت الموانئ والسواحل نقاط اشتباك غير مباشر بين أطراف متعددة. فالحرب في اليمن أثرت بشكل مباشر على ميناءي الحديدة وميدي، فيما بات ميناء بورتسودان في السودان ساحة تنازع جديدة بين قوى خارجية تتقدمها الإمارات ودول أخرى من داخل وخارج الاقليم، في سباق حرق الإرادات والنفوذ . هذه الصراعات تُهدد الاستقرار البحري وتؤثر سلباً على حركة الشحن التجاري.
2. التهديدات الأمنية
تزايدت التهديدات الأمنية التي تستهدف البنية التحتية للموانئ والملاحة البحرية، خاصة مع استخدام الطائرات المسيّرة في هجمات استهدفت ميناء جدة في فترات سابقة، و بورتسودان حديثا . إلى جانب تصاعد أعمال القرصنة وتهريب الأسلحة والاتجار بالبشر وغيرها من التجارات غير المشروعة في مضيق باب المندب، ما يعزز الحاجة إلى تنسيق أمني أكثر فعالية وتثوير أمن البحر الأحمر من المهددات.
3. الترابط الأمني في البحر الأحمر
يشكل البحر الأحمر أحد أكثر المسارات المائية حساسية وأهمية في العالم، ليس فقط من الناحية التجارية، بل الأمنية أيضًا، إذ يربط بين مضيق باب المندب وقناة السويس، مما يجعله شريانًا حيويًا لحركة الطاقة والتجارة العالمية. هذا الوضع الجغرافي الحرج خلق حالة من الترابط الأمني الإجباري بين الدول المطلة عليه، وعلى رأسها السعودية ومصر والسودان وجيبوتي واليمن، حيث تتقاطع مصالحها في ضمان أمن الملاحة البحرية ومنع القرصنة وتهريب الأسلحة والبشر. وقد بدأت السعودية منذ 2020 الدفع نحو إنشاء كيان للدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن بهدف تعزيز التنسيق الأمني والاقتصادي، واحتواء النفوذ المتزايد لقوى خارجية كتركيا وإيران والإمارات والصين. كما تسعى المملكة إلى تحويل هذا الترابط الأمني إلى منصة تعاون إقليمي مستقر، عبر تعزيز القدرات البحرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وإنشاء قواعد عسكرية بحرية مشتركة، مع محاولة تقليل التدخلات التي تزعزع استقرار هذا الممر الاستراتيجي الحيوي. وهو ايضا فضاء واسع للاستثمار والتحديث بما يستجيب للتطورات والاحتياجات الظرفية.
4. عسكرة الموانئ
استجابةً لهذه التحديات، عززت السعودية حضورها العسكري في البحر الأحمر، من خلال إقامة قاعدة بحرية على جزيرة فرسان، وتكثيف التعاون الأمني مع مصر والسودان. كما دعمت مبادرات الرقابة البحرية الإقليمية، في ظل ازدياد عسكرة الموانئ من قبل قوى إقليمية ودولية تتسابق للسيطرة على هذا الشريان الملاحي.
يمثل البحر الأحمر أحد أهم الممرات البحرية العالمية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة الدولية، مما يجعله ذا أهمية استراتيجية واقتصادية للدول المطلة عليه، وخاصة المملكة العربية السعودية.
نسبة التجارة العالمية عبر البحر الأحمر
تشير التقديرات إلى أن حوالي 12% إلى 14% من حجم التجارة العالمية تمر عبر البحر الأحمر سنويًا، ما يعادل ما بين 2.5 إلى 3 تريليونات دولار من البضائع والسلع. يُعد هذا الممر البحري حيويًا لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال، حيث يُنقل عبره نحو 12% من النفط العالمي و8% من الغاز الطبيعي المسال وغيرها من السلع .
أهمية البحر الأحمر للمملكة العربية السعودية
بالنسبة للمملكة العربية السعودية، يُعتبر البحر الأحمر شريانًا حيويًا لتجارتها الخارجية، حيث تقع عدة موانئ سعودية رئيسية على ساحله، مثل ميناء جدة الإسلامي وميناء ينبع التجاري. تُستخدم هذه الموانئ لتصدير النفط ومشتقاته، بالإضافة إلى استيراد السلع والبضائع المختلفة.
تُشكل التجارة البحرية عبر البحر الأحمر جزءًا كبيرًا من التجارة السعودية، خاصةً في ظل اعتماد المملكة على تصدير النفط والغاز إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية. كما أن البحر الأحمر يُعد مسارًا مهمًا للحجاج والمعتمرين القادمين إلى المملكة، والتجارة البينية مما يضيف بُعدًا دينيًا واقتصاديا إلى أهميته.
التحديات والتهديدات:
تواجه حركة التجارة عبر البحر الأحمر تحديات أمنية، مثل التوترات في مضيق باب المندب والهجمات على السفن، وباتت بورتسودان في المحك، مما قد يؤثر على حركة الملاحة ويزيد من تكاليف الشحن. تسعى المملكة، بالتعاون مع الدول المطلة على البحر الأحمر، إلى تعزيز الأمن البحري وضمان سلامة الممرات الملاحية.
تأثير التحديات الأمنية على حركة التجارة في البحر الأحمر والمملكة العربية السعودية
أولاً: التحديات الأمنية في البحر الأحمر:
يشهد البحر الأحمر تحديات أمنية متعددة تعرقل حركة التجارة الإقليمية والدولية، من أبرزها:
1. التوترات في مضيق باب المندب:
• يُعتبر مضيق باب المندب نقطة عبور رئيسية بين البحر الأحمر وخليج عدن، حيث يمر عبره نحو 4.8 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يعادل 8% من تجارة النفط العالمية.
• التوترات الناجمة عن الصراع في اليمن زادت من مخاطر الملاحة، خاصة مع تهديدات الحوثيين المتكررة بإغلاق المضيق أو استهداف السفن.
2. الهجمات البحرية والقرصنة:
• تعاني المنطقة من أعمال قرصنة في خليج عدن والبحر الأحمر، مما دفع شركات الشحن إلى زيادة تأميناتها، ورفع تكاليف النقل البحري.
• استهداف ناقلات النفط والسفن التجارية، خاصة تلك المتجهة إلى الموانئ السعودية، أثر على حركة التجارة وأثار قلقًا دوليًا بشأن سلامة المسار الملاحي.
3. التنافس الإقليمي والدولي:
• التواجد العسكري المكثف لدول كبرى مثل الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، إلى جانب القوى الإقليمية كالإمارات وتركيا، زاد من تعقيدات المشهد الأمني في البحر الأحمر.
• التوترات بين هذه القوى أدت إلى عسكرة الممرات البحرية، مما قد يهدد استقرار حركة الملاحة والتجارة والعبور الآمن..
ثانياً: تأثير التحديات على السعودية:
تعتبر السعودية من أكبر المتأثرين بأي اضطراب في البحر الأحمر، نظراً لاعتمادها الكبير على حركة التجارة عبر موانئها المطلة على هذا الممر البحري الحيوي اي ٧٠٪ من حركة الملاحة والتجارة تعتمد عليه :
• ميناء جدة الإسلامي: يُعد الأكبر على البحر الأحمر، ويمثل البوابة الرئيسية لتجارة المملكة مع أوروبا وإفريقيا.
• ميناء ينبع: مختص بتصدير النفط ومشتقاته، وأي تهديد أمني في البحر الأحمر يؤثر مباشرة على حركة الصادرات النفطية السعودية.
• ميناء الملك عبدالله في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية: يمثل مشروعاً استراتيجياً لتعزيز حركة التجارة البحرية، وهو من بين أسرع الموانئ نمواً في المنطقة.
ثالثاً: الاستجابة السعودية للتحديات:
عملت المملكة على عدة محاور لتأمين تجارتها عبر البحر الأحمر:
1. تعزيز القدرات البحرية:
• طورت المملكة أسطولها البحري لتعزيز الأمن في الممرات الحيوية، بالتنسيق مع قوات التحالف العربي.
2. تحالف الدول المطلة على البحر الأحمر:
• في عام 2020، أطلقت السعودية مبادرة لتشكيل مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، الذي يهدف إلى تعزيز التنسيق الأمني وحماية الملاحة البحرية.
3. الاستثمار في البنية التحتية:
• تسعى المملكة إلى تطوير موانئها وتعزيز قدراتها اللوجستية، في إطار “رؤية السعودية 2030”، لزيادة قدرتها على استيعاب التجارة العالمية وتقليل تأثير الأزمات.
4. التعاون الدولي:
• تنسق السعودية مع الولايات المتحدة ودول أوروبية لضمان سلامة الممرات المائية، إضافةً إلى الاتفاقيات الأمنية مع مصر وجيبوتي.
رابعاً: الرؤية المستقبلية لتعزيز التجارة البحرية:
تسعى السعودية إلى تحويل البحر الأحمر إلى مركز تجاري عالمي، عبر عدة محاور:
1. مدينة نيوم ومشروع “أوكساجون”:
• تمثل “أوكساجون” مركزًا صناعيًا عائمًا في نيوم على البحر الأحمر، ومن المتوقع أن تكون أكبر مدينة صناعية عائمة في العالم، مما سيعزز من التجارة البحرية الإقليمية.
2. تطوير الموانئ الذكية:
• يجري العمل على رقمنة الموانئ وزيادة قدرتها على استقبال السفن العملاقة، لتصبح مركزاً رئيسياً لإعادة التصدير إلى أوروبا وآسيا.
3. توسيع خطوط الملاحة البحرية:
• تخطط المملكة لزيادة خطوط الملاحة المباشرة مع أوروبا وشرق إفريقيا، مما سيقلل التكاليف ويعزز حركة التبادل التجاري.
الترابط الأمني والتنسيق في البحر الأحمر
يشكل البحر الأحمر أحد أكثر المسارات المائية حساسية وأهمية في العالم، ليس فقط من الناحية التجارية، بل الأمنية أيضًا، إذ يربط بين مضيق باب المندب وقناة السويس، مما يجعله شريانًا حيويًا لحركة الطاقة والتجارة العالمية. هذا الوضع الجغرافي الحرج خلق حالة من الترابط الأمني الإجباري بين الدول المطلة عليه، وعلى رأسها السعودية ومصر والسودان وجيبوتي واليمن، حيث تتقاطع مصالحها في ضمان أمن الملاحة البحرية ومنع القرصنة وتهريب الأسلحة والبشر والممنوعات . وقد بدأت السعودية منذ 2020 الدفع نحو إنشاء كيان للدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن بهدف تعزيز التنسيق الأمني والاقتصادي، واحتواء النفوذ المتزايد لقوى خارجية كتركيا وإيران والإمارات والصيني ظل التصعيد على باب المندب . كما تسعى المملكة إلى تحويل هذا الترابط الأمني إلى منصة تعاون إقليمي ودولي آمن ومستقر، عبر تعزيز القدرات البحرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق المواقف في إنشاء قواعد عسكرية بحرية مشتركة، مع محاولة تقليل التدخلات التي تزعزع استقرار هذا الممر الاستراتيجي الحيوي.وتبقى الحاجة اكثر لاستدعاء الدولة المطلة على البحر الأحمر للنظر في أطر الشراكة والتأمين في سياق ما هدد الأوضاع بولاية البحر الأحمر بالسودان من مسيرات واستهداف اماراتي كإمتداد لآثار الحرب المفروضة عليه منذ العام ٢٠٢٣م.

