وصفة النجاح العالمية لاقتصاد ما بعد الحرب
وفاق صلاح عبدالعال مبروك
أبريل 2025
تناولت في المقالات السابقة تجارب عدد من الدول (اليابان, المانيا, فيتنام) التي خاضت حروب مدمرة واشرنا الي أخر (رواندا وكوريا الجنوبية) ولكن تحت القيادة الواعية و الملهمة والرؤية الثاقبة استطاعوا لملمة جراحهم والنهوض ببلادهم وشعوبهم ليصبحوا من الدول المتقدمة اقتصاديا وذلك تم باتباعهم حزمة من التغييرات المصيرية علي مستويات متعددة لتتكامل مع بعضها للوصول للهدف المنشود وهو نهضة شاملة والناحية الاقتصادية كان جزء أصيل منها.
كان من الواضح بأن كل تلك الدول تبنت وصفة نجاح معينة للوصول لذلك الهدف, تشابهت في كثير من الاحيان واختلفت في بعضها حسب خلفية ومعطيات كل دولة ونتج عن ذلك دول وشعوب متقدمة وأمثلة يحتزي بها لمن يريد أن يتعلم من التاريخ القريب المعاصر.
بالرجوع لكل هذه التجارب نلخص في هذا المقال عناصر الوصفة العالمية التي اتبعوها للوصول لهذا النجاح ما بعد الحروب المريرة والمدمرة التي مروا بها فكانت كما يلي:
1. التعليم: من الملاحظ أن كل هذه الدول التي نجحت في أن تصبح دول متقدمة بعد الخروج من حروبها كدول مدمرة, بدأت ببناء الانسان نفسه اولا فقد كان التركيز علي التعليم دور كبير بدئا بالتغيير في المناهج لبناء افراد اكثر فاعلية في المجتمع وكيفية التعامل مع التجارب التي مروا بها اما بالقاء الضوء عليها كعوامل سالبة مثل ما حدث في رواندا والمانيا واهمية تخطي القبلية او العرق وتعقيداتهما او كما حدث في اليابان وعدم زكر كارثة هيروشيما حتي لا تلقي بظلال سالبة في الزاكرة من الناحية النفسية ولكنهم اتفقوا جميعا في تطوير الفرد عبر التعليم ليكون مواطنا صالحا, ملتزما ووطنيا كما تم تحسين نظام التعليم وتطوير البرامج التعليمية لتمكين الشباب من الحصول على تعليم جيد وتأهيلهم للمشاركة في إعادة بناء البلاد. كما حصل التعليم او التاهيل المهني أهمية أكبر لانجاح الطفرة الاقتصادية والصناعية التي اجتمعت في التحول الي صناعة التصدير والتجارة الدولية وهو ما يحتاج لعدد كبير من العمالة الماهرة والملتزمة.
2. إعادة بناء الثقة والتصالح والمساواة الاجتماعية: تم العمل على إعادة بناء الثقة وتحقيق المصالحة الداخلية والخارجية وتم التركيز على تعزيز الحوار والتفاهم والعمل المشترك لضمان عدم تكرار الصراعات المدمرة. اكدت التجربة الرواندية والالمانية علي أهمية المواطنة بدلا عن القبلية وتفوق العرق فقد تم حزف زكر القبيلة في كل السجلات الرسمية بل وصلوا لحد التجريم في رواندا وفي المانيا اصبح هناك نصب تزكاري حيث تم حرق كل الكتب التي زكرت تفوق العرق الاري.
3. وضع خطة اقتصادية وطنية طويلة الأجل: المقصود منها بناء اقتصاد قوي للبلاد، يهدف إلى تكوين الثروات وجذب وتشجيع الاستثمار بالبلاد وتقليل الاعتماد على المعونات والديون الخارجية وتبني سياسات اقتصادية متعددة لتعزيز النمو والاستثمار وتشجيع الصناعات الرئيسية مثل الصناعات التحويلية والتكنولوجيا لتعزيز الاقتصاد وزيادة فرص العمل.
4. برنامج التعمير وإعادة البناء: القيام بتنفيذ برنامج شامل لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة وإعادة التعمير والتركيز على إعادة الصناعات والمدن والمنازل التي تضررت بسبب الحرب
5. التحول الكلي من الاقتصادات القائمة على الزراعة إلى صناعة التصدير والتجارة الدولية: تبني سياسات اقتصادية تركز على تحفيز الإنتاج وتعزيز التجارة الخارجية بتبني نهجًا حكوميًا قويًا يدعم الصناعات الرئيسية والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة وتحسين عمليات الإنتاج بالاضافة الي التسارع في عملية إعادة تخصيص الموارد بين القطاعات، ولا سيما القوة العاملة، من القطاع الزراعي ذي الإنتاجية المنخفضة نسبيا إلى القطاع الآخر الذي يحظى بإنتاجية أعلى ودخل إجمالي أكبر للفرد والتواجد في الاقتصاد العالمي كحلقة وصل هامة في سلاسل التوريد العالمية. بالاضافة لذلك الانتقال من الصناعات اليدوية إلى الصناعات كثيفة رأس المال والتدخل الحكومي في الاقتصاد، مع التركيز على سياسات التنمية التي تقودها الدولة وتعزيز الصناعات الرئيسية من خلال الإعانات المستهدفة والاستثمار.
6. إعادة توزيع رأس المال: وهو عامل أساسي آخر في الإنتاج بتبني سياسات لتعزيز الأولوية لتوزيع التمويلات على الصناعات الحربية والسندات الحكومية وجمع التمويلات وتوزيعها على نطاق هائل وعلى مستوى البلاد باستبدال التمويل المباشر بنظام توسعي بشكل سريع للتمويل غير المباشر استنادا إلى المدخرات البنكية والبريدية وتسهيل استيعاب المدخرات والتوزيع الكفء لرأس المال ووضع إجراءات فعالة لضمان الشفافية والكفاءة في توزيع الموارد.
7. التكتلات الاقتصادية والتعاون الدولي: الانضمام إلى التكتلات الاقتصادية العالمية مما يساهم في تعزيز التجارة والتعاون الاقتصادي وتعزيز العلاقات الدولية والتعاون مع دول أخرى لتبادل الخبرات والموارد. وبناء علاقات قوية مع الدول المتقدمة و تلقي الدعم الاقتصادي والتكنولوجي، وتطورعلاقات التجارة الدولية وتبني نظم ومؤسسات غربية ومتطورة.
8. الحد من التدهور المادي لدى الأشخاص والشركات: بتخفيض الضرائب لزيادة الإنفاق والاستثماروتخفيض او الغاء كثير من الاجرائات والقيود لتسريع عودة القطاع الخاص للعمل فور انتهاء الحرب مما سهل استيعاب عدد كبير من العاملين للعمل وخلق فرص عمل جديدة لشريحة كبيرة من العائدين من النزوح لتعزيز فرص الجميع في الحصول على وظيفة وفي أسرع وقت ممكن وهو ما يضمن للجميع نصيباً وافراً من الازدهار المتنامي في البلاد كما يضمن حصول السكان على الضروريات الأساسية مثل الغذاء والملبس والمسكن. خفض كمية العملة المتوفرة لدى العامة بالاضافة لإلغاء ضوابط الأسعار لايقاف المقايضة وانهاء السوق السوداء، و ترسيخ السوق التجارية.
9. استعمال طرق مبتكرة : مثل اتخاذ نوع من انواع النيوليبرالية وتطبيق مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي الذي يعمل على تحقيق التوازن بين اقتصاد السوق الحر الذي بات نظاما اقتصاديا عالمي الانتشار ولا يمكن تجاوزه، والعدالة الاجتماعية والذي يهدف إلى الجمع بين المبادرة الخاصة عبر حماية حرية الاقتصاد وتقليل التضخم والتقدم الاجتماعي المتمثل بالرخاء والضمان الاجتماعي على أساس اقتصاد تنافسي وتحقيق الازدهار أو «الرفاهية للجميع». كما يهدف النظام إلى الحفاظ على آليات السوق الحرة مع ضمان العدالة الاجتماعية في الوقت ذاته عبر الحفاظ على التوازن بين ارتفاع معدل النمو الاقتصادي وانخفاض التضخم وانخفاض مستويات البطالة وظروف العمل الجيدة والرعاية الاجتماعية والخدمات العامة عن طريق تدخل الدولة.
10. الاستثمار في البنية التحتية: بالانفاق من الناتج المحلي الإجمالي لها او باستثمارات داخلية او خارجية على البنية الأساسية، الطرق السريعة والموانئ البحرية والتجمعات الصناعية وتجمعات الإلكترونيات وتحسين الخدمات الأساسية التي تشكل أساسًا قويًا للتنمية، أنشاء مجمعات صناعية ممتازة، الشراكة مع مجموعة واسعة من الشركاء الاستثماريين والتجاريين، ايفاء الاتزامات تجاه الشركات متعددة الجنسيات، تعزيز اقتصاد محلي ريادي للغاية وتشجيع قطاع ديناميكي وسريع النمو يقوده رواد أعمال مدعومون من الدولة بالاضافة الي الاستقلال عن أي “قوة عظمى”، مما يعني تنوعًا مناسبًا لكل من الشركاء الاستثماريين والتجاريين دون المخاطرة بإزعاج سوق معينة.
11. تشجيع الشركات بحزم حوافز حكومية: وتتمثل هذه الحوافز بتخفيض معدلات الضريبة على دخول الشركات، أو تخفيض رسوم الاستيراد للأصول الثابتة، وبعض الإعفاءات أو التخفيضات في إيجارات الأراضي ورسومها.
12. إعادة البناء الاقتصادي على أساس إسقاط الديون: وتحقيق التكامل التجاري أي إقناع الدائنين بأن يكون باسقاط الديون كاملة او جزئيا و سداد الدفعات المتبقية مشروطًا بتحقيق البلاد فائضًا تجاريًا، أي أنه لا يتوجب على الحكومة سداد أي أموال إلا إذا كانت تستطيع ذلك وليس عن طريق المزيد من الديون والاهم من ذلك اشراك الدول الدائنة في انجاح المساعي في تحقيق ذلك باتاحة فرص استثمارية عن طريق رسملة الديون و استيراد المنتجات المحلية حتى تتمكن في وقت لاحق من استرداد أموالها.
13. تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة تشمل تحسين إدارة الموارد المالية، مكافحة الفساد، وتطوير السياسات المالية والنقدية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والتعاون مع المؤسسات المالية العالمية للحصول على قروض ومنح تساعد في تمويل مشاريع إعادة الإعمار والتنمية.
هذه الخلاصة ليست سوي تلخيص لما نجح به الاخرون فعليا وقفزوا ببلادهم وشعوبهم من درك الدمار لقمة النجاح, هي تجارب واقعية وحقيقية حدثت في تاريخنا المعاصر مما يعني ان هناك فاعلين حقيقين شاركوا في هذه النجاحات ما زالوا احياء يمكنهم ان يرووا لنا الكثير مما لم يكتبه التاريخ بعد عن تجاربهم ويمكننا ان نستمع لبقية روايتهم للتاريخ ونناقش معهم كيفية تطبيق وصفتهم الناجحة في بلادهم ونحن نحتسي القهوة سويا. الخلاصة لعناصر النجاح اعلاه ليست من افكاري او من ملخص مخرجات لورشة عمل بل هي خلاصة وعصارة معارك حيايتية خاصوها اناس قبلنا أمنوا بأن لا يوجد مستحيل للشعوب التي تريد ان تبني بلادها لتسود العالم بأن عليهم أن يتقدموا بخطي ثابتة وواثقة لتحقيق رؤية ثاقبة وثابة وطموحة.
أما أن لنا الأوان لنتعلم يا أبناء وبنات بلادي, ينتظرنا وطن بحجم الكون.

