الحراك الثقافي… من معرض الكتاب إلى خشبة المسرح
محمد يوسف العركي
ما إن تتجول في أروقة الدوحة خلال الأيام الماضية، حتى تلمح شعار «من النقش إلى الكتابة» يزين الساحات، والميادين والمرافق ومن قبلها الأذهان، في إشارة إلى معرض الدوحة الدولي للكتاب الذي نظمته وزارة الثقافة، وامتد لعشرة أيام من الحراك الثقافي النابض بالحياة. المعرض، في نسخته الرابعة والثلاثين، لم يكن مجرد حدث لعرض الكتب، بل كان فسيفساء فكرية جمعت بين الأدب، والفكر، والفن، واحتضنت دور نشر محلية وعالمية، وورش عمل، وندوات فكرية، ولقاءات مع نخبة من الأدباء والمفكرين من داخل قطر وخارجها. ومع إسدال الستار على المعرض، لم تتوقف الحركة الثقافية، بل انتقلت بسلاسة إلى فضاء آخر من الإبداع، حيث أطلقت وزارة الثقافة، عبر مركز شؤون المسرح، فعاليات مهرجان الدوحة المسرحي في دورته السابعة والثلاثين، والذي ينطلق في 21 مايو ويستمر حتى 31 من الشهر ذاته على خشبة مسرح U Venue، حيث تتبارى عشر مسرحيات لعدد من الشركات والفرق الأهلية. المهرجان والذي يُعد الأقدم خليجيًا في مجاله، يشهد هذا العام تنافس عشر مسرحيات تمثل شركات إنتاج خاصة وفرقًا أهلية، في مشهد يعكس حيوية المسرح القطري وتنوعه. وقد استُلهم شعار الدورة الحالية من الزخارف المعمارية لمسرح قطر الوطني، الذي افتُتح عام 1982، في إشارة لربط الماضي بالحاضر، واستشراف المستقبل. المسرح القطري عريق وقد احتفل قبل سنوات باليوبيل الذهبي له، فقد تم إنشاء أول فرقة مسرحية رسمية في البلاد في عام 1972 باسم الفرقة المسرحية القطرية، ونشأت كذلك العديد من الفرق الأهلية وقدمت العديد من الأعمال الخالدة في الوجدان. لم تكن الحركة المسرحية القطرية منغلقة على نفسها فقد قدمت العديد من الروايات العالمية مثل عطيل، وكذلك بعض المسرحيات التي اهتمت بالقضايا العربية مثل القضية الفلسطينية، ولكن تظل مسرحية أم الزين علامة فارقة في حركة المسرح القطري والتي قدمت في منتصف السبعينيات من القرن الماضي وهي من تأليف الفنان عبد الرحمن المناعي الذي يعد من المؤسسين للحركة المسرحية في قطر وقام بإخراجها في ذلك الوقت المخرج الأردني الراحل هاني صنوبر والتي تناولت التحولات الاجتماعية بعد بدء تدفق النفط. لتستمر المسيرة جيلاً بعد جيل وقطعاً كانت هناك آمال وتحديات ورسائل وأفكار ساهمت إيجاباً في العطاء التراكمي المعرفي والثقافي والاجتماعي للمجتمع القطري وللمحيط من حوله وكذلك كان التفاعل حاضراً مع الثقافات الأخرى داخلياً وخارجياً. ورغم هيمنة الشاشات والأجهزة الذكية على المشهد اليومي، لا يزال للمسرح جمهوره الوفي، ويتميز المسرح القطري بحضور قوي للقطاع الخاص، حيث تشارك سبع شركات إنتاج من أصل عشر في عروض هذا العام، ما يعكس شراكة فاعلة في دعم الصناعات الثقافية. وهذا مما يحسب إيجاباً لوزارة الثقافة وشراكاتها الذكية مع القطاع الخاص في دعم المنتج الثقافي القطري. ويُعزز المهرجان من قيمته الثقافية عبر الندوات المصاحبة للعروض، والتي يشارك فيها نقاد وخبراء، ما يثري النقاش ويعمق الفهم الفني للأعمال المقدمة. إنها إذن دعوة لنا جميعاً لحضور هذه الأمسيات في مسرح U venue الأنيق لنعيش أجواء الخشبة الساحرة ونشهد العروض المسرحية، وقطعا التنافس سيكون حاضراً بين الجهات المشاركة في المهرجان، ولكن تظل القيمة الثقافية هي الثمرة العظمى في هذا الحراك، الذي سوف نستكشف من خلاله نجوما جددا تتصل بهم مسيرة المسرح القطري وتُكتب فصول جديدة في مسيرة المسرح القطري.
نقلا عن صحيفة العرب القطرية

