إعادة تموضع استراتيجية السودان في الطيران المدني:
توصية قانونية وسياسية للانضمام إلى المكتب الإقليمي الإفريقي للإيكاو ( AFI )
د . عبد العزيز الزبير باشا
بينما يشرع السودان في إعادة بناء قطاع الطيران المدني بعد الدمار الذي خلفته الحرب، يبرز أمامه خيارٌ سياسي محوري: هل يستمر ضمن نطاق مكتب الإيكاو للشرق الأوسط ( MID )، أم يسعى لإعادة تصنيفه والانضمام رسميًا إلى المكتب الإفريقي ( AFI )؟
من منظور القانون الدولي للطيران، و سياسات التنمية ، و البراغماتية الجيوسياسي، فإن الإجابة حاسمة وواضحة:
ينبغي للسودان أن يتقدم بطلب رسمي للانضمام إلى المكتب الإفريقي للإيكاو ( AFI )…
تستعرض هذه المقالة الأسس القانونية، والمبررات السياسية، و المكاسب الاستراتيجية لهذه الخطوة، لتكون مرجعًا متخصصًا لصناع القرار في الهيئات الرقابية السودانية المتخصصة، ووزارة النقل، و سلطة الطيران المدني، والبعثات الدبلوماسية..
أولاً:
الأساس القانوني لإعادة التصنيف الإقليمي داخل الإيكاو
تُصنف المكاتب الإقليمية للإيكاو بناءً على اعتبارات جغرافية وعملية وإدارية، ولا يوجد في اتفاقية شيكاغو ( 194 ) أو وثائق الإيكاو اللاحقة ما يمنع أي دولة عضو من طلب تغيير مكتبها الإقليمي إذا اقتضت المصلحة الوطنية ذلك….
بل إن قرار الجمعية العامة للإيكاو رقم A41-25 يشجع الدول على اختيار الانتماء الإقليمي الأنسب لها من حيث القدرة على الاستفادة من برامج المساعدة الفنية ، وتعزيز السلامة الجوية، و الاندماج الإقليمي…
وبالتالي، فإن طلب السودان إعادة تصنيفه ضمن المكتب الإفريقي شرعي قانونيًا وممكن إداريًا…..
ثانيًا:
_المبررات الاستراتيجية والسياساتية
1. الجغرافيا الجيوسياسية والوظيفية
رغم الارتباط التاريخي بمكتب MI، فإن السودان دولة إفريقية موقعًا وواقعًا.
مجاله الجوي، وشراكاته القارية، واحتياجاته التشغيلية تتسق مع أنظمة الدول الإفريقية وليس مع دول الخليج التي تقود أجندة MID..
الاستمرار في إطار لا يُمثل أولويات السودان ولا يخدم مصالحه التنموية يُعد إضرارًا استراتيجيا بالذات…
2. إعادة الإعمار وبناء القدرات بعد الحرب
يُوفر المكتب الإفريقي حزمة برامج تستهدف الدول الخارجة من النزاعات، منها:
•*AFI Pla* و*AFI SECFAL Pl* لدعم السلامة الجوية وأمن الطيران.
• *AFI-CIS* الذي يُوفر رقابة تعاونية دون تكاليف باهظة. *SAA* الذي يفتح الأجواء بين الدول الإفريقية، ويُعزز حركة النقل والتجارة.
في المقابل، تركز برامج MID على تحسين أداء الأنظمة المتقدمة، ولا تولي اهتمامًا كافيًا للدول التي تُعيد بناء قطاعها من الصفر….
3 التمويل والدعم الفني
المكتب الإفريقي مرتبط بشبكات تمويل تنموية تشمل:
• بنك التنمية الإفريقي ( AfDB )
• البنك الدولي
• شراكات مباشرة مع الإيكاو والاتحاد الإفريقي
بينما تعتمد معظم برامج MID على تمويل ذاتي أو تجاري، ما يُشكل عائقًا كبيرًا أمام السودان في مرحلته الراهنة..
4 . الانسجام مع أجندة الاتحاد الإفريقي 2063
لا يمكن بناء قطاع طيران مستدام في *السودان* بمعزل عن الأطر القارية، خصوصًا أجندة 2063 التي تسعى لتوحيد المجال *الجوي الإفريقي* ….
الانخراط في *AFI* يُمكّن *السودان* من التفاعل مع هذه الأجندة بفاعلية، على عكس *MID* الذي يُمثل فضاءً تنمويًا وتنافسيًا مختلفًا….
ثالثًا:
التوصية المؤسسية*
ينبغي أن تتقدم *سلطة الطيران المدني السودانية* بطلب رسمي إلى الأمانة العامة للإيكاو لإعادة تصنيف *السودان* ضمن المكتب الإفريقي ( AFI)، مع توجيه نسخة إلى المكتبين الإقليميين في القاهرة ونيروبي.
_يُفضل أن يتضمن الطلب_*
• مسوغًا قانونيًا* يستند إلى قرارات* الجمعية العامة للإيكاو..
• تقريرًا فنيًا يوضح التحديات التي يواجهها السودان بعد الحرب…
• بيانًا بالانسجام مع الأطر القارية وخاصة SAATM …
• مذكرة دبلوماسية تؤكد على استمرار التعاون مع دول MID مع توضيح أن هذه الخطوة تخطيطية تنموية وليست موقفًا سياسيًا…..
رابعًا:
الخلاصة
من منظور القانون الدولي للطيران والسياسات التنموية ، فإن بقاء السودان
ضمن نطاق MID لم يعد مبررًا، بل يُمثّل عبئًا استراتيجيًا يُقلص من فرص النهوض المؤسسي والاستفادة من الدعم القاري…
إن الانتقال إلى المكتب الإفريقي ليس مجرد تغيير إداري، بل هو إعلان جاد عن تموضع السودان ضمن منظومة إفريقيا الحديثة، ورسالة للمجتمع الدولي بأن السودان يملك إرادة حقيقية لبناء منظومة طيران مدني آمنة، متكاملة، ومترابطة إقليميًا….
وطن و مؤسسات….
السودان أولا و أخيراً ….

