*قراءة في الجغرافيا السياسية من زاوية الاقتصادالجيوسياسي*
حقيقي استوقفتني مسألة هامة جدا هي محاولة الغدر الخائنة من قبل مجموعة حفتر الإرهابية لذلك لا يمكن فهم محاولة احتلال منطقة “ *المثلث* ” بمعزل عن التداخل المعقد بين الجغرافيا السياسية والأطماع الاقتصادية التي تشكل خارطة النفوذ في الإقليم. إن ما وصفته الكاتبة – مشكورة – بوصفه محاولة “ *إخراج القط بجلد النمر* ”، إنما هو في جوهره تعبير عن صراع إرادات بين دولة تسعى للحفاظ على وحدتها الوطنية، وقوى إقليمية تسعى لفرض نموذجها من الهيمنة غير المباشرة عبر أدوات تمويل وتجنيد وتفكيك ممنهج للبنية السيادية للدول المستهدفة..
*أولاً: من الاحتلال العسكري إلى الاقتصاد النيوليبرالي المسلح*
الإمارات ومن ورائها شبكة مصالح تتقاطع فيها أموال النفط بالمصالح الغربية، لم تعد تتدخل في الدول من بوابة “ *الاستثمار التنموي* ” بل من بوابة إعادة هندسة الدولة وفق مقاسات السوق المفتوح الخالي من السيادة. الدعم الذي يُقدَّم لميليشيات مثل “الدعم السريع” أو المرتزقة الليبيين لا يُمكن تفسيره فقط بكونه تحالفاً عسكرياً، بل هو أيضاً استثمار طويل الأجل في خلق الفوضى يهدف إلى إعادة رسم خرائط التجارة والموارد، وخاصة الذهب والمعابر الحدودية…
منطقة “ *المثلث* ” ليست فقط موقعاً استراتيجياً عسكرياً، بل هي شريان اقتصادي يربط السودان بوسط إفريقيا، وتحويلها إلى منطقة رخوة أمنياً يخدم مصالح من يسعون لاحتكار التجارة العابرة للحدود، وحرمان الدولة المركزية من التحكم في منافذها الاقتصادية الحيوية….
*ثانياً: الغنائم السياسية مقابل النزيف الجيوسياسي*
في الوقت الذي تُستباح فيه حدود السودان من ميليشيات مدفوعة بأجندات خارجية، تنشغل النخب السياسية – كما أشار بعض الحادبين – بالتفاوض على مقاعد في حكومة انتقالية قادمة، كأن الوطن لم يعد ساحة معركة بل غنيمة إدارية. هذا السلوك ليس فقط انحرافاً أخلاقياً، بل هو أحد الأسباب البنيوية في هشاشة الدولة، حيث يتم استبدال التفكير في أمن الدولة بتكتيكات كسب النفوذ اللحظي….
وهنا تجدر الإشارة بوضوح:
السودان اليوم ليس في حاجة إلى تعيين وزراء من باب الترضيات السياسية سواء للقوى الوطنية أو للفصائل التي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة. فالوطن لا يُدار بمنطق الجوائز، بل بمنطق المسؤولية. إن تحويل المجهود الحربي النبيل لبعض الفصائل إلى “ *سند شرعي* ” للمطالبة بمناصب وزارية هو انحراف عن طبيعة *المعركة الوجودية* التي يخوضها السودان، ويُعيد إنتاج نفس منطق المحاصصة الذي أوصل الدولة إلى مرحلة الهشاشة الغادرة …
الاقتصاد السياسي للحرب هنا واضح: كلما ضعفت الدولة المركزية، ازدادت فرص أمراء الحرب لامتلاك الأرض ومن ثم الموارد، وتكثّف سعي الأطراف الخارجية لضمان حصتها من السوق السوداني غير المنظَّم…
*ثالثاً: ماذا بعد التدخل الأجنبي؟*
حين يتمدد حفتر إلى داخل الأراضي السودانية، فالسؤال ليس فقط عسكرياً، بل اقتصادياً: من يسيطر على المعبر، يسيطر على الذهب، والوقود، والرسوم الجمركية، ومن يملك تلك، يملك القرار المحلي.
وبالتالي، فإنّ هذا التدخل ليس انتهاكاً للحدود فقط، بل محاولة لبناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة الدولة السودانية، تمهيداً لتفكيك السودان إلى “ *إقطاعيات أمنية* ”…
*رابعاً: نحو مفهوم جديد للردع الوطني*
مواجهة هذا النمط من العدوان لا تكون فقط عبر المقاومة العسكرية، بل عبر إعادة بناء نموذج *الاقتصاد السيادي* الذي يُغلِق المنافذ أمام اقتصاد الحرب، ويربط موارد الدولة بإرادتها لا بإرادة المانحين أو الحلفاء المزعومين….
ويجب أن يُرفق هذا بنزع الشرعية الوطنية عن كل من يتعامل مع الخارج باعتباره وسيطًا للسلطة، لا باعتباره تهديدًا للوجود…..
ولعلّ أخطر ما في المرحلة الراهنة هو محاولات تدوير النخبة السياسية ذاتها – *بوجوه جديدة ولكن بعقليات المحاصصة القديمة* – وكأن المعركة الجارية ليست معركة بقاء، بل معركة نسب تمثيل في كابينة حكومة انتقالية مؤقتة…
*خاتمة:*
احتلال “ *المثلث* ” ليس عارًا عسكريًا بل جرس إنذار استراتيجي: إما أن تستفيق الدولة وتُعيد بناء مناعتها من الداخل – *عبر تفعيل مشروع تعبئة وطنية شاملة اقتصادياً وأمنياً* – أو نكون أمام نموذج ليبيا جديدة، ولكن في قلب القارة السمراء، هذه المرة تحت رايات مستأجرة، وحكومات مؤقتة لا تملك من أمرها شيئًا…
*السودان* لا يحتاج إلى حكومة انتقالية جديدة تُوزّع المناصب كمكافآت على السلاح، بل يحتاج إلى عقيدة *سيادية اقتصادية* ترد على الرصاص بالردع، وعلى الدولار بالكرامة الوطنية…..
*وطن و مؤسسات…*
*السودان أولا و أخيراً* ….
*د. عبدالعزيز الزبير باشا*…
12/6/2025
*نقلا عن حواس*

