خارطة طريق إقتصادية لتعافي الخرطوم من رماد الحرب في ضوء تشكيل اللجنة العليا لتهيئة الظروف لعودة المؤسسات والمواطنين إلى العاصمة
د. حسين أدم إيدام
في خطوة محورية تهدف إلى إعادة الحياة إلى طبيعتها، أصدر السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان قراراً بتشكيل لجنة قومية عليا مكلفة بتهيئة الظروف لعودة المؤسسات والمواطنين إلى العاصمة. وفي ضوء هذا التكليف الرسمي، تقف ولاية الخرطوم وبقية ولايات السودان أمام خارطة طريق واضحة المعالم للتعافي من آثار تمرد 15 أبريل الغادر. يستعرض هذا التحليل حجم الأزمة بالأرقام، ويقترح بعض الخطوات العملية التي تتواءم مع أهداف هذه اللجنة.
يستعرض هذا التحليل حجم الأزمة بالأرقام وإحصائيات ، ويقدم خارطة طريق مُنقّحة بالخطوات للتعافي.
الخطوة الأولى: تقييم حجم الكارثة (إحصائيات)
يعكس التقييم عمق الأزمة وتأثيرها الواسع على كافة المستويات:
1. النزوح وتدمير الممتلكات الخاصة: تسببت الحرب في أكبر أزمة نزوح في العالم، حيث أُجبر حوالي 13 مليون شخص على ترك منازلهم . وقد أدت العمليات الحربية إلى دمار واسع في المساكن، خاصة في الخرطوم، مما أجبر 31% من الأسر الحضرية على النزوح إلى خارج السودان وولايات أخرى. وعلى الرغم من إنتشار التقارير حول النهب الممنهج للممتلكات والاستيلاء على سيارات المواطنين، إلا أنه لا توجد إحصائيات دقيقة لعددها الإجمالي ولكن الأنباء تتحدث عن نهب أكثر من 100 ألف منزل بالكامل و أكثر من 150,000 سيارة.
2. خسائر البنية التحتية والقطاعات الحيوية:
– القطاع الصحي: يعاني من إنهيار شبه كامل، حيث تُشير التقديرات إلى أنّ ما بين 70% إلى 80% من المرافق الصحية أصبحت خارج الخدمة بسبب الحرب. ووثقت التقارير وقوع أكثر من 621 هجوماً على نظام الرعاية (تدوين مستشفى النو مثالاً).
* البنية التحتية العامة: لحق دمار هائل بالبنية التحتية الحيوية من جسور ومحطات كهرباء وشبكات مياه وإتصالات. وتضررت محطات معالجة المياه في الخرطوم بشكل خاص، مما تسبب في نقص حاد في إمدادات المياه النظيفة وولاية الخرطوم بذلت مجهودات مقدرة في هذا الشأن .
3. التكلفة الاقتصادية الإجمالية:
* تكلفة إعادة الإعمار: تقدر السلطات السودانية أنّ تكلفة إعادة الإعمار قد تصل إلى 1 تريليون دولار، منها 300 مليار دولار للخرطوم وحدها .
* إنكماش الإقتصاد: من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد السوداني بنسبة تصل إلى 42% بحلول نهاية عام 2025 مقارنة بمستويات ما قبل الحرب . وقد سجل الناتج المحلي الإجمالي إنكماشاً بنسبة 20% في عام 2023، و15% في عام 2024 .
الخطوة الثانية: تحقيق الإستقرار الاقتصادي الكلي
تتطلب مواجهة التحديات الهيكلية سياسات إقتصادية حاسمة ومبنية على أرقام واقعية:
أولاً معالجة التضخم: على عكس التوقعات السابقة، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ متوسط معدل التضخم 118.9% خلال عام 2025. ويظل التحكم في التضخم أولوية قصوى لإستعادة الإستقرار.
ثانياً مواجهة تراجع القطاعات الإنتاجية:
أدى شلل القطاعات الإنتاجية إلى زيادة إعتماد الدولة على موارد غير مستدامة وضغط على الميزان التجاري بزيادة الواردات. وتأثرت قطاعات حيوية مثل الزراعة، التي تشكل عصب سبل العيش، بشكل كبير، بالإضافة إلى توقف شبه تام لمصافي تكرير النفط .
الخطوة الثالثة: إعادة تأهيل الخدمات الأساسية
تبذل حكومة ولاية الخرطوم مجهودات كبيرة، وتظل إعادة الخدمات الحيوية للمواطنين هي الأولوية العاجلة، مع التركيز على:
1. الصحة: إعادة تأهيل ما يمكن من المرافق الصحية التي خرجت عن الخدمة ودعم الكوادر الطبية المتبقية.
2. المياه والطاقة: البحث عن حلول عاجلة ومستدامة مثل الطاقة الشمسية، مع مواصلة العمل على إصلاح شبكات المياه ومحطات الطاقة التي تعرضت للقصف والتدمير .
الخطوة الرابعة: إنعاش القطاعات الإنتاجية ودعم الموارد المحلية
لتحقيق تعافٍ مستدام، يجب التركيز على إنقاذ ما تبقى من القطاعات الحيوية وتحفيز الموارد الذاتية بالتركيز على:
1. الزراعة: دعم المزارعين لتأمين الموسم الزراعي وتأمين سلاسل الإمداد لضمان الأمن الغذائي.
2. تحفيز الاستثمار: البدء في تهيئة بيئة أعمال قادرة على جذب الاستثمارات مع بسط الاستقرار الأمني.
3. الموارد الخارجية: تسهيل التحويلات من المغتربين عبر القنوات الرسمية وتنسيق المساعدات الإنسانية لضمان وصولها إلى الفئات الأكثر تضرراً.
الشروع في عملية إعادة إعمار شاملة تتطلب تضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي.
إحصائي ومحلل بيانات وباحث إقتصادي

