—
أهو كلام والسلام
الصناعة بين الممكن والمستحيل
فؤاد قباني
بدأت الصناعة في السودان بصورة جادة في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، حيث ظهرت صناعات قائمة على المواد الخام المحلية مثل الزيوت، الجلود، السكر، والمنسوجات. ومع الوقت، تطورت هذه الصناعات وبدأت بالتصدير إلى الأسواق الإفريقية والعالمية.
ولكن، كما هو الحال في كثير من المشاريع التنموية في السودان، لم تكتمل الرحلة. جاءت ضربات موجعة أضعفت بنيان الصناعة، وبدل أن نتقدم، تراجعنا. فهل كانت الصناعة في السودان حلمًا مستحيلاً؟ أم مشروعًا قابلاً للنهضة؟
بدايات واعدة… وصناعات محلية رائدة
نشأت صناعات متعددة في السودان، شملت:
الزيوت ومدابغ الجلود
صناعة السكر (الجنيد، حلفا الجديدة)
المنتجات الجلدية (أحذية، شنط)
الصناعات الغذائية (الصلصة، المربى، الطحينة، الحلويات)
الغزل والنسيج، الزجاج، الكبريت
تجفيف البصل، الألبان، مواسير الحديد، أصابع اللحام، الإطارات (اللساتك)
وقد اعتمدت معظمها على مواد خام محلية، وبلغت مرحلة من النضج أهلتها لدخول الأسواق الافريقية و العالمية.
جاءت الضربة القاصمة
في عهد الرئيس جعفر نميري، تم تأميم كثير من المؤسسات الصناعية، ما تسبب في انهيار البنية الصناعية الناشئة. وقد حذر الرئيس المصري جمال عبد الناصر من نتائج التأميم، بناءً على تجربة مصر، لكن دون جدوى.
تبِع ذلك حصار اقتصادي غير معلن، اتخذ شعاره:
“نحاصركم ونحاربكم اقتصاديًا، ولكن نأخذ مواردكم بشروطنا.”
من مظاهر ذلك الحظر الأمريكي الذي استثنى فقط الصمغ العربي، وبدأ التهريب العلني والخفي للسلع إلى دول الجوار، ومن هناك تُعاد تصديرها أو استهلاكها.
شهدت التسعينيات انتعاشًا في الزراعة والصناعة، ووصل السودان إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في القمح، وظهرت صناعات جديدة. لكن للأسف، لم تدم الطفرة، وعاد التراجع.
أين ذهبت المشاريع الكبرى؟
مصنع النسيج السوداني، الأكبر في إفريقيا؟
مصنع الإطارات؟
“ساتا” و”لاركو”؟
صناعة الأواني المنزلية؟ كلها أصبحت أثرًا بعد عين .
الدولة مسؤولة عن فشل الصناعة، وهذه الحقيقة يجب الاعتراف بها. فسياساتها متذبذبة، توعد ولا تفي، وقراراتها غير مدروسة. بعض الأمثلة الكارثية:
الجمارك المرتفعة
رسوم الإنتاج والضرائب والدمغة
الكهرباء والمشتقات البترولية
تحكم الدولة بأسعار المواد الخام المربوطة بالصناعة (مثل السكر وبذرة القطن) والمثال الأوضح: حين يرتفع إنتاج الزيوت محليًا، تسمح الدولة بدخول الزيوت المهدرجة المستوردة الأرخص والأقل جودة، وتمنع تصدير الزيوت المحلية.
فنظرة الدولة الخاطئة للمصنّع والتاجر ترى الدولة أن التاجر أو صاحب المصنع هو جشع وطماع وانتهازى ، بينما الفساد والسياسات الخاطئة هي السبب الحقيقي في التراجع.
بعض التجار الفاسدين يستغلون هذا الواقع بتواطؤ من موظفين داخل الدولة لزيادة أرباحهم بطرق غير شرعية.
الحل: رؤية وطنية واضحة لإنقاذ الصناعة، لا بد من:
سياسة وطنية واضحة وثابتة لا تتبدل وتتغير بتغير الوزير .دعم حقيقي لمدخلات الإنتاج (زراعة ، ثروة حيوانية)
تشجيع الشراكات الأجنبية وفق قوانين واضحة ومدروسة ومشجعة للاستثمار
تطوير البنوك المحلية لتواكب البنوك العالمية في التمويل طويل الأجل .
تجاوز “الترقيع” في مشاريع البنية التحتية والاتجاه إلى نظام BOT (البناء – التشغيل – التحويل) . لان الطرق والسكر حديد والنقل الداخلى فى المدن المترو والبصات وخطوط الملاحة الجوية والبحرية. كل ذلك يحتاج لتجديد كامل .
الأمل باقٍ فينا رغم التحديات ، السودان لا يزال بلدًا واعدًا، وخيراته وفيرة. لا يجب أن نخاف من الشراكات أو الاستدانة، طالما:
خطنا واضح ومدروس قوانيننا نزيهة إرادتنا صادقة
فالسودان يستطيع أن ينهض، وبإذن الله، الخير قادم .
استووو… يرحمكم الله .

