الإصلاحات المالية والنقدية للتعافي الاقتصادي*
*كبسولة 2: السياسات النقدية
إعداد د. بدر الدين قرشي مصطفي
المقدمة
يواجه الاقتصاد السوداني تحديات هيكلية عميقة تتطلب إصلاحات جذرية في السياسات المالية والنقدية لاستعادة التوازن الداخلي والخارجي وتحفيز النمو الاقتصادي. في ظل معدلات تضخم مرتفعة، وانخفاض حاد في قيمة العملة الوطنية، وعجز مزمن في الميزان التجاري والحساب الجاري، وعجز في الموازنة العامة، وتراجع الخدمات الأساسية، تبرز الحاجة إلى حزمة سياسات متكاملة تعالج جذور الأزمات وتضع الأسس لاقتصاد أكثر استقرارًا وعدالة.
يقدم هذا الكتيب مقترحات مستندة إلى نتائج الدراسة بعنوان *”الانهيار الاقتصادي: المشكلة والسياسات الاحترازية (2025)”* للكاتب، مع تركيز على الإجراءات العملية لتعزيز استقلالية البنك المركزي، والحد من هيمنة السياسات المالية على السياسات النقدية (*Fiscal Dominance*)، وترشيد الإنفاق العام، وإحكام التنسيق بين السياسات المالية والنقدية. نستعرض هنا سياسات نقدية فعالة وقابلة للتطبيق، يمكنها تمهيد الطريق لتعافي الاقتصاد السوداني وضمان توزيع عادل للموارد وحسن استغلالها.
السياسات والإجراءات المطلوبة للحد من التضخم*
الهدف:* خفض التضخم إلى نسبة أقل من 10%.
أولاً: الحد من التوسع أو التسرب النقدي
1. ضبط وترشيد التمويل الحكومي من البنك المركزي* (خطابات الضمان والمخزون الاستراتيجي).
2. ضبط التوسع في الاستدانة من الجهاز المصرفي لتغطية عجز الموازنة ضمن النسب المسموح بها قانونًا.
3. وقف التمويل غير المباشر للحكومة* عبر فروقات شراء وبيع الذهب.
4. توجيه التمويل المصرفي نحو القطاع الخاص* بدلاً من الحكومة.
5. *طرفع سعر الفائدة ليعادل معدل التضخم العام.
ثانياً: امتصاص السيولة الفائضة من الاقتصاد
1. تقليل عجز الموازنة وتغطيته في الحدود الآمنة قانونيًا.
2. التوسع في إصدار الصكوك الحكومية (صكوك التنمية “صرح”) بدلاً من شهادات المشاركة الحكومية (“شهامة”).
3. إصدار شهادات البنك المركزي (الإجارة) لامتصاص السيولة.
4. تفعيل آلية السوق المفتوحة عبر مبادلات النقد الأجنبي والأوراق المالية.
5. منع احتجاز المال العام من قبل الشركات والمؤسسات الحكومية.
6. إصدار الجنيه الذهبي (كصك استثماري وقفي) بفئات 100 جرام، 200 جرام، 500 جرام، و1000 جرام.
7. وقف الاستثناءات الصادرة من وزارة المالية في حساب الخزينة الواحدة.
8. تشجيع المصارف على تقديم حوافز مجزية لجذب مدخرات المواطنين.
9. خفض الأصول المحلية بنسبة 10% سنويًا وزيادة الأصول الخارجية بنسبة 10% سنويًا.
الخاتمة
الإصلاح الاقتصادي ليس خيارًا، بل ضرورة حتمية لضمان مستقبل مستقر للسودان. تتطلب هذه الإصلاحات:
– إرادة سياسية حقيقية.
– مشاركة مجتمعية فاعلة.
– آليات رقابة وشفافية صارمة لمكافحة الفساد المالي والإداري.
السياسات النقدية المقترحة تمثل خريطة طريق عملية يمكنها – عند تطبيقها بشفافية وحزم – أن تعيد التوازن الداخلي والخارجي، وتوجه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية والخدمية الحيوية. الهدف ليس تحقيق توازن مؤقت فحسب، بل بناء نظام اقتصادي متين قادر على مواجهة التحديات واغتنام الفرص في المستقبل.
> “الإصلاح يبدأ بخطوة… فلتكن خطوتنا اليوم كبسولة رقم 2.”
اغسطس 2025*

