سوق أم درمان كما رأيته قبل الحرب، وكما تخيَّلته عقب اشتعالها (8/1)
د. النور الكارس
تنويه:
الصُّور المُرفَقة توثِّق مشاهد حيَّة التقطها المصوِّر نادر الطيب خلف الله أثناء تصوير الفيلم الوثائقي “سوق أم درمان، معمِّر لا يشيخ”، وهي تجسِّد بعض اللَّحظات والوقائع التي ورد ذكرها في هذا الجزء من المقال.
(1)
في قلب مدينة أم درمان، حيث تتداخل نداءات الباعة مع خيوط الشَّمس المنسابة على الوجوه السَّمراء، كنت ارتاد سوقها العتيق، لا بغرض الشِّراء فقط، بل لأستنشق هُويَّة وطنٍ تسكن الأرصفة العتيقة، والمحال التِّجارية الباذخة، قبل قلوب الباعة والمشترين.
هناك بين قباب البهارات و عبق العطور، و بين السِّلع المتناثرة والحكايات المدوزنة بميزان المحبِّة، تعلَّمت أنَّ السوق ليس مجرَّد مكان للبيع والشِّراء، بل ذاكرة تمشي على قدمين شفيفتين، و روح طيبِّة تتنفَّس الودَّ من أفواه البسطاء.
فجأة، وعلى حين غفلة من الجميع… اشتعلت الحرب!
غابت الوجوه من اللَّوحة القشيبة، وتوارت الأصوات وراء جدار الصمت، وتحوَّلت الأرصفة إلى بقايا ذاكرة متكسِّرة.
وبين ما رأيته بعينيّ المبهورتين قبل نشوب الحرب، وما تخيَّلته بعقلي المكلوم عقب اشتعالها، كتبت هذا المقال؛ استنطق عبره الوجع الخرافي، و أرسم بالسَّرد ما تبقَّى من ملامح ذلك السُّوق الأثير.
ثمانية مشاهد، هي أجزاء من نبضٍ ما زال حيَّاً في وجداني، أرويها لا كصحافيٍّ أو مؤرِّخ، بل كابنٍ بارٍّ لتلك المدينة، و كعاشقٍ متيَّم ٍظلَّ سوقها الشَّامخ نافذته المضيئة إلى الوطن.
في مستهلِّ العام 2008م، وفي إطار السِّلسلة الوثائقيَّة العربيَّة “أعرف بلادك”، شاركتُ عبر تلفزيون السُّودان بفيلمٍ يوثِّق لمسيرة سوق أمدرمان.
وقبيل وضعي للرؤية الإخراجيَّة وكتابة السِّيناريو الأوَّلي، قمت بزِيارة استكشافيَّة لهذا السُّوق، و هو إجراء روتيني يهدف إلى جمع المزيد من المعلومات من مصادرها الحيَّة، بالإضافة إلى تحديد زوايا التَّصوير ومصادر الإضاءة، فضلاً عن الاتِّفاق مع الأشخاص الذين سيظهرون بإفاداتهم داخل الفيلم.
في الحقيقة، رغم زياراتي السَّابقة لسوق أم درمان، طُبِعًتْ تفاصيل الزِّيارة الاستكشافيَّة في وجداني بأحرفٍ من نور، بل نُحِتَتْ في تلافيف ذاكرتي بإزميل أسطوريٍّ، تجاوز بسُموِّه أقاصي أطراف السُّدُم البعيدة ، تلك التي لم يَبلُغها خيالُ أعتى علماء الفلك!
(أعتذر هنا إن شطحت في التَّعبير؛ فإنَّ لسوق أم درمان من السَّناء الباهر والسِّحر الآسر ما قد يصل بالمرء إلى مشارف الجنون).
تميُّز تلك الزِّيارة عن سابقاتها ربما يعزى إلى خوفي على شيخ الأسواق السُّودانيَّة من آفتي الحسد والحقد ، النَّاجمتين عن بلوغه -حسب تقييمي المتواضع- درجة سامية في سلم الكمال( والكمال لله وحده).
و زاد من حدَّة خوفي، ترديدي حينها ما قاله أبو البقاء الرُّنْدي، وهو يرثي ضياع الأندلس:
“لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصان،
فلا يُغَرُّ بِطِيبِ العَيشِ إنسانُ”
كما قد يُعزى هذا التَّميُّز إلى كونها زِيارة استكشافيَّة سبقت مرحلة التَّصوير، و هو ما دفعني إلى التَّأمُّل العميق في ذلك الصرح المتفرِّد، الذي يجمع بين عبق التَّاريخ و جموح الاقتصاد، و النَّظر إليه ببصر ثاقب و بصيرة حصيفة؛ كمسبارين لمَّاحين أكَّدا لي عظمته الشَّامخة، و أبرزا لي شموخه العظيم.
و هو شموخٌ باذخٌ لم تؤثِّر على هيبة جلاله موجات الدَّمارُ الشَّامل التي أحدثتها لاحقاً ويلات الحرب الكريهة؛ تلك التي لم تطمس بألسنة حرائقها اللَّاهبة ألق صورته الزَّاهية، بل ظلَّ أيقونةً عتيقةً راسخةً في ذهن كلِّ سودانيٍّ فُطِمَ على حبِّ السُّودان، رمز العزَّة والكرامة، و جُبِلَ على هوى أم درمان، المدينة -الوطن.
كما تجوَّلت في رحاب سوق أم درمان، و زرت كلَّ محاله التِّجاريَّة التي تجمع بين عبق التَّاريخ وروح العصر، سأتحدَّث عنه هنا في عدد من المحاور:
بدءاً بتاريخه العريق، مروراً بأسواقه الفرعيَّة المتخصِّصة، و انتهاءً بتخيُّل ما أصابه من دمار و خراب شنيعين إثر اشتعال الحرب.
في خاتمة هذا الجزء الأوَّل من المقال، أشير إلى أنَّ أمواج الحيرة ظلَّت تتقاذفني حينما فكَّرت في ترتيب الأسواق الفرعيَّة لهذا السُّوق العتيق؛ فقد تفاجأت بأنَّ كلَّاً منها يستحقُ -من حيث العظمة و الأهمِّيَّة- أن يسبق نظراءه في التَّرتيب.
و هي حيرة لم أشعر بها أثناء زيارتي الاستكشافيَّة؛ إذ كان التَّرتيب حينها يعتمد على جغرافية المكان، بينما تحكمُ التَّرتيبَ داخل كلٍّ من الفيلم والمقال بواعثٌ فنِّيَّةٌ عدَّة من بينها متطلَّبات منحنى التَّوُّتر tension curve، واشتراطات الحبكة القصصيَّة.
يتبع…
مع تحياتي،
د. النور الكارس


