خارطة طريق لكبح جماح الدولار
بقلم : عثمان حلمي
( نص ام درمان)
رغم أهمية القرارات الأخيرة التي صدرت من رئيس مجلس الوزراء ، في ضبط الإطار التنظيمي، إلا أن الواقع السوداني يفرض قراءة تحليلية أكثر عمقاً، تُدرك أن كبح جماح الدولار لا يتم عبر الإجراءات وحدها، بل عبر إصلاحات هيكلية جريئة.
و لماذا لا تكفي القرارات وحدها؟
– غياب الإنتاج الحقيقي: الحرب المستمرة عطلت قطاعي الزراعة والثروة الحيوانية، وهما من أهم مصادر العملة الصعبة بعد الذهب، مما أدى إلى توقف شبه كامل للصادرات.
– سيطرة السوق الموازي: أصبح أكثر فاعلية من الجهاز المصرفي الرسمي، خاصة في التعاملات المتعلقة بالذهب وتحويلات المغتربين، مما يضعف قدرة الدولة على ضبط سعر الصرف.
– تراجع الثقة في المؤسسات: المواطن والمستثمر فقدا الثقة في قدرة الدولة على ضبط السوق، مما يدفعهما للتعامل خارج الأطر الرسمية.
– غياب الدعم الخارجي: السودان لم يتلق دعماً دولياً يُذكر، بينما يتزايد الطلب على الدولار لتمويل استيراد المواد البترولية والغذائية.
– تهالك العملة جعل الموطن يلجأ لشراء الدولار لحفظ قمية العملة السودانية.
ما المطلوب إذًا؟
– إعادة بناء الثقة في الجهاز المصرفي عبر سياسات نقدية واقعية، وتوفير النقد الأجنبي للبنوك التجارية لتلبية احتياجات العملاء.
– تحفيز الإنتاج المحلي وتقديم حوافز حقيقية للمصدرين، خاصة في القطاعات غير الذهبية.
– إصلاح سياسي شامل يهيئ بيئة مستقرة للاستثمار، لأن الاقتصاد لا ينفصل عن المناخ السياسي.
– إطلاق مبادرة وطنية للمغتربين تضمن تحويلاتهم عبر القنوات الرسمية، مع تقديم امتيازات حقيقية لهم.
– تخفيض الإنفاق الحكومي غير المنتج وتوجيه الموارد نحو القطاعات الحيوية الإنتاجية.
– خفض الضرائب والجبايات التي ترهق المواطن، مع توسيع الماعون الضريبي عبر إدماج القطاع غير الرسمي بالحوافز لا بالعقوبات.
إن ما صدر من قرارات يمثل خطوة أولى في مسار الإصلاح، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، بعيدا من سياسية العنتريات والاحتكار بمشاركة اهل الشأن من الغرف التجا و الاقتصاديين وبرؤية وطنية شاملة تُعيد الاعتبار للجنيه السوداني، وتُخرج الاقتصاد من دائرة الأزمات إلا فضاء الإنتاج والاستقرار.
و في النهاية لا يمكن فصل معالجة أزمة العملة عن ضرورة إنهاء الحرب وتحقيق الاستقرار السياسي، فبناء الثقة في المؤسسات الوطنية هو المدخل الحقيقي لأي إصلاح اقتصادي ناجح، وشرط أساسي لجذب التمويل والدعم الدولي نحو تنمية مستدامة واستقرار نقدي فعّال.

