سوق أم درمان كما رأيته قبل الحرب، وكما تخيَّلته عقب اشتعالها (8/7)
د. النور الكارس
تنويه:
الصُّور المُرفَقة توثِّق مشاهد حيَّة التقطها المصوِّر نادر الطيب خلف الله أثناء تصوير الفيلم الوثائقي “سوق أم درمان، معمِّر لا يشيخ”، وهي تجسِّد بعض اللَّحظات والوقائع التي ورد ذكرها في هذا الجزء من المقال.
(7)
سوق العطَّارة:
إثر مغادرتي لسوق القصيريَّة، وبعد دقائق قليلة، انتقلت إلى شارع هادئ تعبق أجواؤه بروائح زكيَّة تشرح النَّفس وتسرُّ الخاطر. كان الشارع يحتشد بلافتات متعدِّدة تتباين ألوانها وأنواع خطوطها، لكنَّها تتفق جميعها على كلمة خماسيَّة الحروف، موحية الدَّلالة، أفادتني بأنَّني وصلتُ إلى سوق العطَّارة؛ هذا السُّوق الشَّهير الذي يُعنى ببيع الأعشاب والموادّ الطَّبيعيَّة المستخدمة في العلاج الشَّعبي.
استوقفتني “عطارة التيمان(التوأمان)”، التي بدت لي كحديقة فوَّاحة بروائحها الزَّكيَّة وعسلها النَّقي، تجتذب النَّحل والفراش. لاحظت أنَّها تغصُّ بالرُّوَّاد من الجنسين، ومن مختلف الأعمار. وتتميَّز هذه العطَّارة عن نظيراتها بحملها لقب أوَّل من أدخل هذه الحرفة إلى السُّودان:
عثمان وحمزة على رحمة – رحمهما الله – اللَّذان اشتهرا بلقب التَّيمان.
بدأ الاثنان عملهما في مدينة الخرطوم، حيث امتلكا مزارع قرب القصر الجمهوري، في ذات المنطقة التي كانا يعملان فيها بصيد الأسماك، إلى جانب زراعة الأعشاب الطِّبيَّة بأنواعها المختلفة. تلك المنتجات التي استخدماها في معالجة النَّاس بأدوية شعبية ناجعة.
ميدان البوستة ومبنى البريد والبرق:
غادرتُ سوق العطَّارة متوجِّهًا صوب ميدان البوستة، وتملكني شعور كأنَّني أرتاد زمنًا سعيدًا مضى، زمن مقاهي أم درمان القديمة، تلك المحافل المهيبة التي احتضنت في ردهاتها صفوة المجتمع ونخبة المثَّقفين، حيث امتزج عبق القهوة بأحاديث الفكر والسياسة والأدب.
يمثِّل مبنى البريد والبرق الحدّ الجنوبي لسوق أم درمان، وهو مبنى قديم شُيِّد في حقبة الاستعمار الإنجليزي. وما يزال الناس يطلقون على المنطقة المحيطة به اسم ميدان البوستة، أو كما عرف سابقًا بـ “ميدان برمبل”.
في هذا الفضاء الواسع لميدان البوستة انطلقت أولى ذبذبات البثّ الإذاعي السوداني، وعلى أرضه التَّليدة أنشئت مقاهٍ شكَّلت ملتقًى سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا فريدًا.
كالسِّوار في المعصم، يطوِّق مبنى البوستة عددٌ مقدَّر من باعة الكتب والمجلَّات. يفترش بعضهم الأرض ببضاعتهم الورقيَّة، بينما يعرض آخرون كنوزهم المقروءة في محالٍ ضيِّقة، لا تتجاوز مساحة بعضها مترين. وعلى الرغم من كلِّ ما حولهم من تطوُّر، فإنَّ هذا المكان لا يزال خارج دائرة النَّطاق الرَّقمي، محتفظًا بروحه الورقيَّة ودفئه الإنساني.
ما يميِّز هذا السُّوق، إلى جانب أسعاره الزَّهيدة، وفرة الكتب القديمة النَّادرة التي يصعب العثور عليها في المكتبات الحديثة. كما تنتشر حوله مكتبات متخصِّصة في بيع اللَّوازم المكتبيَّة والكتب المدرسيَّة، إضافة إلى باعة المسابح والعطور الزَّيتيَّة.
مقاهي أم درمان التَّاريخيَّة:
في الزمن الماضي، كانت منطقة البوستة تعجُّ بالمقاهي التي أصبحت جزءًا من تاريخ أم درمان العريق. ومن أشهر تلك المقاهي: مقهى الأغا، الذي أنشئ عام 1923م، والذي شكَّل قبلة لزعماء الأحزاب السياسيَّة، كانوا يتوافدون إليه للتَّخطيط وتبادل النِّقاش، بينما ارتاده عامَّة الناس أيضًا لاحتساء القهوة والشاي. تحوَّل هذا المقهى اليوم إلى محلٍّ لبيع الأجهزة الكهربائيَّة.
كما ضمَّت المنطقة مقاهٍ لا تقلُّ أهمِّيَّة، منها:
• مقهى الذَّئبق: الذي يقع في الجهة الغربيَّة من الميدان.
• مقهى يوسف الفكي: الذي يقع في مواجهة السِّينما الوطنيَّة بشارع الموردة، والذي كان بمثابة ملتقى جامع للمعلِّمين والرِّياضيين بأم درمان.
• مقهى جورج مشرقي: الذي كان يواجه سينما برمبل، وبدأ كمحلٍّ تجاريٍّ قبل أن يتحوَّل إلى مقهى بعد افتتاح إذاعة أمدرمان عام 1940م، ثمَّ عاد إلى نشاطه التِّجاري لاحقًا.
سوق الموية، الاسم والمفارقة:
ارتبط اسم سوق الموية بمقهى جورج مشرقي، لكن لا علاقة للاسم ببيع الماء، فقد كان ذلك زمنًا مختلفًا لم يتحوَّل فيه الماء إلى سلعة تعبأ في قوارير.
كان السَّقاؤون يجلبون الماء من النيل في أوعية جلديَّة تعرف بـ “الخُرُج”، محمولة على ظهور الحمير. ويروى أنَّ مجموعة من الضباط، يتقدَّمهم اللِّواء حمد النِّيل ضيف الله، جلسوا ذات مرَّة في المقهى، وصفَّقوا للجرسون، فلما جاءهم، طلبوا منه فقط ماءً للشرب، قائلين:
“بالله جيب لينا موية”.
فغضب صاحب المقهى، وقال في استنكار:
” نحن بنبيع موية؟! دي قهوة مش سوق موية”.
فقال اللِّواء ضيف الله ضاحكًا: “أنتو فاكرنُّو سوق موية”، وتحوَّلت الجملة إلى نكتة، ثمَّ إلى اسم عالق في الذاكرة الشعبيَّة.
قبل أن أغادر ميدان البوستة، وجدتني أسترجع الكلمات التي اختتمت بها لاحقًا عمود الصَّوت في سيناريو الفيلم، وكأنَّ المدينة تهمس في أذني:
“أم درمان بلد الأمان، كما يردِّدها الكثيرون.. في حضن هذه المدينة يشعر المرء بالأمان، ووسط طرقاتها يتعايش القديم والجديد في ألفة وانسجام، وعلى خيراتها تعيش الحيوانات وترقد بسلام. في سوق أم درمان يمكنك أن تجد ما يسدُّ رمقك، وأن ترى فيه ما يشرح صدرك.. بل يمكن أن تتوَّج فيه ملكًا على الطيور، أمَّا الطيور نفسها، فتجد فيه ما يملأ بطونها من غلال، وما يشرح صدرها من فضاء، تشهد عبره السوق من أعلى، وهو يتمدَّد في بحبوحة، ويتقدَّم في العمر دون أن يبلغ سنِّ الشَّيخوخة”.
يتبع…
مع تحياتي،
د. النور الكارس


