سوق أم درمان كما رأيته قبل الحرب، وكما تخيَّلته عقب اشتعالها (8/8)
د. النور الكارس
(8)
سوق أمدرمان كما تخيَّلته عقب اشتعال الحرب
سوق أمدرمان الحبيب، لم أنسه يومًا حتَّى أحتاج إلى تذكُّره، ولكنَّها الحرب، دفعتني إلى استرجاع مشاهد مكوِّناته المترعة بالحنو والنَّابضة بالحياة. نعم، ما تعرَّض له سوق أم درمان – كغيره من معظم مناطق السُّودان – من دمار موجع، أجبرني على استرجاع روعة تلك المكوِّنات كما رأيتها في زيارتي الاستكشافيَّة السابقة، التي سبقت تصوير فيلمي الوثائقي. رأيتها آنذاك في قمَّة عنفوانها، ثمَّ تخيَّلت شناعة حالها بعد أن طالتها ويلات الحرب، إذ حال وقوع السوق تحت سيطرة مليشيا الجنجويد دون أن أكحِّل عينيَّ برؤيتها رأي العين.
***
في البدء، زحفت على قدمي الذاكرة إلى حيث يقع سوق اللُّحوم والخضار، الذي كان يتمتَّع بنشاطٍ تجاريٍّ حيويٍّ، وعلاقات إنسانيَّة دافئة.
تخيَّلته وقد تحوَّلت كتله الخشبية إلى كومة من الرماد، وتفحَّمت عظام ذبائحه التي كانت لحومها تتدلَّى من الشناكل، في انتظار مشترين غابوا يوم سبتٍ أسود، ما عرف السودان له نظير منذ فجر تاريخه، منذ أيام مملكة كوش العريقة.
أمَّا سوق الأناتيك، الذي شهدته في زيارتي السابقة نابضًا بعشرات المعارض الأنيقة و آلاف التُّحف البديعة، فقد تخيَّلتُ منحوتاته العاجيَّة و قد اكتست السواد، وارتدت مسوح رفيقاتها الأبنوسيَّة، بينما نظيراتها الخشبيَّة تحوَّلت إلى ذرات رماد باهتة، بعثرتها رياح الدانات اللَّاهبة في وجوه السُّيَّاح، الذين تصوَّرتهم ماضين أمام المجسَّمات الرشيقة، التي تحاول – بنظراتها السَّاهمة – أن تستدرَّ و لو طرفًا من انتباههم.
***
ورشُ الخرَّاطين التي كانت تزوِّد المعارض بالتحف، نُهِبت معدَّاتها وتفرَّق فنيُّوها المهرة، فما عادوا يمزجون عسل الإبداع الشَّهي بملح الصَّبر المرّ، وهم يضعون اللَّمسات الأخيرة على منحوتاتهم البديعة التي كانت تغذِّي ممر الإبداع بكلِّ ما هو جميل.
أمَّا صُنَّاع الأحذية، والأحزمة والحقائب الجلديَّة، فتخيَّلت مدى حزن الحيوانات البرِّيَّة على ما طال ورشهم من دمار، رغم ما بدا من استفادتها الظاهرة من توقُّف أعمالهم؛ إذ سيقلُّ الطلب على إزهاق أرواحها، وإن كانت الأعمار بيد الله.
***
سرحت بمخيِّلتي إلى حيث يقبع المبدع الجلَّاد في الهواء الطلق، يصنع للأسلحة – بشقَّيها الأبيض والناري – ملاذات آمنة لها ولمستخدميها ولضحاياها المرتقبين. لا أدري لماذا جعلتني مآسي الحرب أتخيَّل مدى سعادة تلك الأسلحة وهي ترقد في العراء، ربما لتسرِّع ردِّة الفعل ضد بطش أسلحة أخرى غادرة.. هذا إن لم تُنهب مع ما نُهِب، وتتفرَّق – مكرهة – بين مناطق السودان المختلفة، غير عابئة بما صدح به صوت جبران خليل جبران، حين قال:
“إن فرَّقتنا الحياة على وجه هذا البحر الغضوب، فالأمواج تجمعنا في ذلك الشَّاطئ الهادئ.”
لكنَّ تقسيم المنهوبات على عجل، وترك أصحابها صرعى أو جرحى، أقرب إلى الواقع من ذلك الجمع الافتراضي النرجسي الذي تخيَّله جبران في أجنحته المتكسِّرة.
***
مررتُ خياليًّابسوق العدَّة، ففتحتُ عينيَّ عن آخرهما، وتهيَّأت أذنياي – مع سبق الإصرار والترصُّد – لسماع أمواج الصخب والضجيج الافتراضيَّة للأواني: الشَّعبي منها متواضع الشَّكل عميق المضمون، والحديث المستورد، محلِّي الهوى أجنبي الهُويَّة؛ تلك الأمواج الهادرة التي عشعشت في ذاكرتي منذ أن غمرتني بضوضائها الصاخبة عند زيارتي الاستكشافيَّة.
و رأيت بعين بصيرتي ما لم تمتد إليه أيادي النهب من الأواني، وقد تحطَّم، وتحوَّل إلى شظايا ملوَّثة بجرثومة الغدر، لا تصلح للتدوير أو إعادة التصنيع.
***
وفي زياراتي السابقة إلى سوق أم درمان، كانت رائحة البهارات تقودني، بلا عناء، إلى محال بيع التوابل “التشَّاشة”، التي تتقاسم مع معارض بيع العِدَّة الجانب الشرقي من السـوق، وكانت – فيما مضى – روائحها النفَّاذة تهدي قاصديها إليها دونما حاجة إلى مرشد أو دليل.
أمَّا الآن، فقد دفعتني إليها أمواج الفضول الخيالي، فرأيت بعين مخيِّلتي قباب خيراتها وقد حُشيت بلؤمٍ صارخ، في جوَّالات من الحقد الأعمى، محمولة – مع ما سُرِق من سوق العدَّة المجاور- ومكدَّسة في شاحنات لم تسلم هي الأخرى من النهب. وعندما بلغت تلك الذروة المفجعة من المأساة، سمعت بأذن خيالي أبواق الشاحنات المنهوبة تردِّد – بصوت مشروخ –لرفاقها من ضحايا الشفشفة: “كلُنا في الهمِّ شرق “.
***
تألَّمت بشدَّة عند مروري الخيالي بسوق النِّساء، ذلك الشاطئ الهادئ الحيي، الذي تركته في زيارتي الاستكشافيَّة مملوءًا بابتسامات صويحباته العفيفات، ومترعًا بقناعتهنَّ الوادعة. تخيَّلته الآن مخفورًا بعويل الثَّكالى، اللَّواتي فقدن أنفسهن قبل نواحهن على الموتى من فلذات الأكباد.
ثمَّ أرسلت نظرة تخيُّليَّة حزينة إلى موقع مبدعات الطواقي، الذي نجا من الدمار بثقل تواضعه وخفَّة حمولته؛ إذ كانت محاله الصغيرة تتحصَّن من النهب بخاصيَّة افتقارها للجدران والأثاثات. ورددتُ بيني وبين نفسي جملتين خفيفتين على اللسان، تشبهان صاحبات المقام في بساطة المظهر وعمق الجوهر، فقلت وأنا أهمُّ بمغادرة مسرح الجريمة الخالي من الركام:
“ما أجمله البيع في الهواء الطلق” – كما قلتها ذات يوم – و”من الشبع ما قتل”، كما يقول المثل العربي. عوَّض الله الجميع أضعاف ما فقدوا من أرواح وصحة متاع وسكينة.
***
“أهون الموت على المرء من ذبح الكرامة”؛ جملة موجعة همستُ بها لنفسي وأنا أحدِّق بعين الخيال في طاقية طازجة طالتها قاذورات الفوضى، فأثقلت سطح الأرض بدنس الذل.
و للأسف، فإنَّ ما لم تمتد إليه أيدي الشفشافة من الطواقي، داسته – في خبث – ” أبوات” من حملوا الأسلحة الثقيلة؛ فدمَّروا
إبَر الكروشيه، و قبلها الأنامل الذهبية التي ما عادت موجودة لاحتضان ماتبقَّى من شظاياها.
***
في زيارتي السابقة، وجدتُ بائعات الطَّواقي يجلسن في اصطفافٍ أنيق على حافة الأسفلت، يكسرن سواده الباهت بخيوط ألوانهنَّ الزاهية. اليوم، تخيَّلتُ ذلك السواد وقد انقلب إلى الأحمر القاني، بلون دماء من منحنه الحياة والرزق، ثمَّ غيبتهنَّ فوهات البنادق.
***
ومن سوق الطواقي، حملتني قدما خيالي نحو متاجر الصيَّاغ. قبل الحرب اللَّعينة، كانت فاتريناتها تتباهى برنين الذهب النفيس، كأنَّها عرائس تتهيَّأ لليلة زفافها. أمَّا الآن فبدت لي حزينة، خاوية، حتَّى من صدأ أبوابها الحديديَّة.
المتاجر التي نجت من الدمار تحوَّلت إلى أطلال باهتة، لا تختلف عن أكوام الحجارة التي ينبشها الباحثون عن الذهب بالوسائل البدائية، في صمتٍ موحشٍ يلتهم ما تبقَّى من بريقها.
***
وها هي عمارة “أبو مرين” التي أبهرتني يومًا بركنها الموشَّح بفركة القرمصيص ووشاح التُّراث، أراها اليوم وقد اكتست بالسواد، وتلفَّعت بثياب حدادٍ حيكت بخيوط دانات المدافع، التي نسفت أدوات الجرتق، المحجوز بعضها لعرسان تفرَّقت بهم السبل، بينما زُفَّ آخرون إلى مكانٍ عادلٍ لا يُظلم فيه أحد.
سوق العناقريب، الذي تركته يعبق بأريج التُّراث، ويفوح برائحة حبال السَّعف ونشارة الخشب، سُرِقت منه حتَّى ظلال سيقان بضائعه، فافتقدها موتى الحرب وعرسان النزوح معًا. وما نُهِب منه، هاجر مكرهًا إلى ما وراء الغفار، حيث يُحلُّ البعض ما حرَّمه الله.
***
أَّمَّا أروقة “الفرندات” الظَّليلة، التي رأيتها فيما مضى تكتظُّ بحشود الباعة والمشترين، فقد تخيَّلتها اليوم وقد تحوَّلت إلى دمامل دميمة من الأسى، تعلوها أكوام بئيسة من الحطام، وتطوَّقها أطلال المحال الفخمة التي التهمها الدَّمار.
والمتاجر الخيِّرة، التي كان أصحابها يغلقون أبوابها طوعًا عند سماع أذان الجمعة يصدح من مئذنة المسجد العتيق، تخيَّلتها الآن مفتوحة رغم أنفها، بعد أن نُهِبت حتَّى الثمالة. بل بدت أبوابها المشرعة كعيون جاحظة أكرهتها الحرب على الانبثاق من محاجر تنضح بالدم بدل الدموع.
امَّا سوق الأقمشة، بخاماته المميَّزة وألوانه الزاهية، فقد تخيَّلتُ بضائعه المنهوبة وقد تحوَّلت إلى أكفان افتراضيَّة لجثثٍ متشظِّية، متناثرة فوق أَحْطِمِة السُّوق، تفتقر لمن يدفنها، أو حتَّى لمن يستر وجوهها المفجوعة، التي لا تزال مرتدية أقصى درجات الألم، رغم فقدانها كلّ مؤشِّراتها الحيويَّة.
ولم يكن سوق القصيريَّة بترزيَّته الجالسين على مخايطهم، ولا منافسه سوق الملابس الجاهزة بباعته المنتصبين أمام احتشاد المشترين، بدعًا من ضحايا الدمار والشفشفة، وإن افتقدا معًا حِدَّة المنافسة الشريفة على جيوب الزبائن.
***
عادت بي الذاكرة إلى محلَّات العطَّارة، التي كانت تعبق بروائحها الزكيَّة، وتضوع بشذا البخور. رأيتها بعين المخيلة المكلومة وقد فاحت منها رائحة الدم المسفوح الممزوجة بنكهة البارود الخبيث، فصارت تصيب روَّادها الافتراضيين بداء الهلوسة الشمِّيَّة. أمَّا لافتاتها الأنيقة، فقد بهتت ألوانها الزاهية إلى سوادٍ كئيب، يختصر بؤس الحال وسوء المنقلب.
***
ومن سوق العطارة، حلَّقتُ على أجنحة خيالي المكسورة نحو ميدان البوستة. امتطيتُ عقارب الساعة العتيقة التي تزيِّن صدر مبنى البريد، وأدرتُها عكس دورانها الحتمي، أعود بها إلى لحظة انبثقت أولى ذبذبات البثّ الإذاعي السوداني، وإلى زمنٍ كانت فيه مقاهي الميدان منابرَ للفكر والسياسة والفن. لكن عقارب الساعة، في خيالي، سُحقت تحت ثعابين الظلام الغادرة، فتوقَّف التاريخ حدادًا على نهب محلَّات “الأغا” و”جورج مشرقي”، وسواهما من الأسماء العريقة، وأصيب بالصمم حزنًا على إسكات صوت الإذاعة السودانية، التي لم تعرف الوجوم منذ صرختها الأولى.
قفزتُ غربًا بزانة الخيال، إلى سوق العيش. رفعتُ بصري إلى فضائه الذي كان يومًا يزدان بأسراب الطيور، وتزهو أطرافه بلمسات قفزاتها الرَّشيقة. أمَّا الآن، فقد غابت مكرهة، وسُجنت زقزقتها خلف جدار الصمت، بعد ما تلاشى حضورها فجأة، كأنَّما ابتلعها زمن بلا ملامح.
والأدهى أنَّ كثيرًا منها شمَّ رائحة شوائه ممزوجة بأنَّات الاحتضار، وما نجا من آلة القتل هنا، أجَّل موعده إلى حين، بعد أن انسدَّت كلّ سبل النجاة، وتمدَّدت الحرب، كالسرطان، تغرس مخالبها في كلِّ اتجاه.
حَسْبُك!
هاتفٌ داخليٌّ قاسٍ قطع شريط الذكريات، وأطبق بعنف على زرِّ إيقاف الخيال، قبل أن يسجن أناملي بعيدًا عن أزرار لوحة المفاتيح.. لا أدري لماذا!!
أهو خوف على ذاكرتي المشتعلة من الاحتراق، أم رجاءً في أن يعود السوق إلى سيرته الأولى، بوضاءته النضرة التي سُلبت منه فجأة؟
***
أخيرًا، بحمد الله، وبفضل رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، عاد سوق أم درمان حرًّا، كطائر الفينيق، بعد أشهر قليلة من نشر هذا المقال في مجلَّة “النُّخبة”، مؤكِّدًا على أنَّه سيعود أقوى وأجمل، كما يردِّد عُشَّاقه من باعة وزبائن، مقولة: “ما لا يقتلني يقويني”.
انتهي..
مع تحياتي،
د. النور الكارس


