أهو كلام والسلام
إعادة تخطيط القرى والأرياف
فؤاد قباني
هل هناك شروط واضحة لقيام القرية في السودان؟ وهل هناك مواصفات علمية يجب أن تتوافر ليصبح المكان قرية؟
الواقع يقول إن معظم قرانا لم تُنشأ وفق معايير مدروسة، ولذلك فهي تحتاج إلى إعادة تموضع وتخطيط جديد.
أخطاء البداية
عند نشأة أغلب القرى، يكون الاختيار فرديًا وعاطفيًا، لا يستند إلى معرفة أو تخطيط. يقول أهلنا: “عجبو المكان وطاب ليه الزمان”، فيستقر شخص في مكان يعجبه، ثم يتجمع الناس حوله، فتولد القرية. لكن مع الزمن، ومع ازدياد السكان، تظهر المشكلات الكبيرة.
كوارث متكررة كالسيول والفيضانات: عند هطول الأمطار تغرق القرى، لأن مواقعها لم تُختر بعناية.
الحرائق: مع حر الصيف، تكثر الحرائق في المساكن المبنية من القش والمواد المحلية، وتجد النيران طريقها سريعًا بسبب ضيق الطرق وتكدس البيوت. حتى إن وُجدت عربة مطافئ قريبة، فإنها لا تستطيع الدخول بسهولة.
هنا ترتفع الأصوات وتوجَّه أصابع الاتهام نحو الدولة، بينما أصل المشكلة في غياب التخطيط منذ البداية.
رؤية جديدة
نحن اليوم نعيش أملًا جديدًا وفكرًا رشيدًا. ولذا، على الدولة أن تُنشئ لجنة مركزية لتخطيط القرى، بفروع في الولايات، تكون مهمتها:
مراجعة أماكن القرى الحالية والمستقبلية.
وضع تخطيط يراعي النمو السكاني المستقبلي.
إنشاء شوارع واسعة ومساحات كافية للسكن والماشية.
تخصيص جبراكة صغيرة لكل أسرة للزراعة المنزلية.
الخدمات الأساسية
لا حياة كريمة بلا خدمات، وأي تخطيط للقرى يجب أن يتضمن:
مدرسة ابتدائية (إن كانت القرية كبيرة).
سوق صغير.
مستوصف للصحة الأولية. مسجد.
نادٍ وملعب لكرة القدم للصبية.
نقطة شرطة.
لماذا نخطط القرى؟
بالتخطيط السليم، نحقق عدة فوائد:
توصيل الخدمات الأساسية (ماء، كهرباء).
التحول من المساكن القشية إلى مبانٍ ثابتة آمنة.
تنظيم حركة الناس والمرور.
تسهيل التعداد وحصر السكان.
قضية الأراضي
من أكبر مشكلات الريف أن أراضيه غير مسجلة رسميًا. هذا جعلها “درجة رابعة” في نظر الدولة، وفتح الباب أمام الغرباء للاستقرار فى اطرافها والمطالبة بحقوق متساوية مع أهل الأرض.
كما أن غياب تسجيل الملكيات يحرم المزارع من الاقتراض من الجمعيات التعاونية أو مؤسسات التمويل الأصغر، لأن ما يملكه لا يُعترف به قانونًا.
الخاتمة
عندما نعيد تخطيط القرى ونُسجّل أراضيها، تصبح الحياة في الريف أسهل وأجمل، ويزول شعور التهميش الذي ظل يُرددها البعض لعقود. فالريف السوداني غني بطبيعته الساحرة وبساطة أهله، وما ينقصه هو التخطيط والخدمات.
نحن الآن في زمن “أمل وعمل”، وعلينا أن نجتهد لعودة إنسان الريف إلى أرضه، ليزرعها ويساهم بسواعده في تنمية السودان، بدل التسكع في المدن وأعمالها الهامشية.
إعادة تخطيط القرى ليست رفاهية، بل ضرورة وطنية لإنقاذ الأرياف وبعث الروح في السودان.
فاستووو يرحمكم الله.

