أهو كلام والسلام
إعادة إعمار السودان
فؤاد قباني
الإعمار والدمار لا يجتمعان في بلد واحد، وحين يحل الدمار يتوقف الإعمار وتتوقف الحياة. فإعمار وتعمير المكان، سواء كان مصنعًا أو شركة أو حتى عمارة بغرض الاستثمار، قد يستغرق سنوات وقد يتم على مراحل متعددة، ولكن ما أسهل أن يأتي قتلة وقطاع طرق وشفّشافة للسرقة والخراب والانتقام! لقد شاهدنا بأم أعيننا كيف دُمِّرت البلاد على أيدي هؤلاء السفلة المارقين عن القانون، وكيف دمّروا المصانع والمزارع والممتلكات العامة والخاصة.
نحن الآن، بحول الله وقوته، بدأنا الإعمار وتعمير الديار، لكن علينا أن نتبع الطريق السليم والأولويات التي تفضي إلى النهايات المنشودة. لقد بدأنا بالمصانع والبيوتات التجارية والبنوك، وأغفلنا بعض الأمور المهمة، وأولها الجانب الصحي: المستشفيات وصحة البيئة. فلن تكون هناك تنمية إذا كان الإنسان، الذي يحرك عجلة التنمية، مريضًا والمستشفيات بلا دواء، أما صحة البيئة فحدِّث ولا حرج؛ قل ما شئت عنها فأنت صادق. فعلى الدولة أن تتحمل مسؤوليتها كاملة، ممثلة في رئيس الوزراء ووزارة الصحة وحكومته، لأن الأمر يتسلسل إلى وزارة المالية وبنك السودان لتوفير النقد الأجنبي للدواء والمبيدات وغيرها، فالأمر يحتاج إلى نفرة شاملة.
كل دول العالم التي دُمِّرت بفعل الحروب أو بفعل فساد أبنائها وتخريب البنية التحتية وسرقة ثروات البلاد، عندما قيّض الله لها من ينتشلها من القاع، أولت التعليم عناية خاصة. ليس بعدد الجامعات بل بالكيف لخدمة الدولة وبنائها. وهناك عناية خاصة بالتعليم الفني الذي أهملناه في بلادنا، وحوّلنا المعهد الفني إلى جامعة، وجففنا المدارس الصناعية الوسطى ومعاهد المياه (ود المقبول) ومعاهد الزراعة (أبو حجار). وحتى دبلوم الثلاث سنوات الجامعي لم يعد له مكان في التوظيف أو الخدمة في مختلف الدرجات الوظيفية. أما التربية التي كانت مقرونة بالتعليم فلم يعد لها ذكر في المناهج، لا هي ولا التربية الوطنية. سأحكي لأبناء الجيل الحالي كيف كانت لنا حصة تسمى التربية الريفية: كنا نزرع ونشجّر المدرسة وما حولها، نزرع الزهور والخضار والأشجار، وكنا نتعلم الزراعة ونحن صغار في المدرسة الأولية.
ما حدث من خراب ودمار في المصانع والمدارس والمساكن وحتى المستشفيات، لم تنجُ منه أي مؤسسة، وكان دمارًا ممنهجًا لم يحدث في أي حرب في العالم. فالعسكرية والفروسية لها أصول وقواعد، لكن أولئك الجنجويد لم يراعوا دينًا ولا عرفًا.
وعلى الدولة، إن أرادت أن تعيد ما دمرته الحرب، أن تجمع كل العربات والآليات القتالية المدمرة في مكان واحد تحت حماية أمنية صارمة، وأن تتعاقد مع إحدى الدول لاستجلاب أفران لصهر هذا الكم الهائل من الحديد ليُستخدم في البناء، حتى لا يتكرر ما حدث مع النحاس وإيقاف صادر النحاس المتبقي. كما يجب إعفاء الكوابل وأسلاك النحاس من الجمارك، ومعدات الكهرباء، وكذلك حديد التصنيع كالأعمدة والصفائح وبواتق صهر المعادن، وكل قطع الغيار الخاصة بمعاصر الزيوت ومعدات المصانع.
ولن يتمكن أصحاب المصانع – وأعني الغالبية العظمى منهم – من النهوض وتشغيل دولاب العمل إلا إذا وقفت البنوك معهم بالنفس الطويل وقدمت قروضًا ميسّرة. ولن يتم ذلك إلا إذا عالجنا حال البنوك نفسها، فمعظمها فقد الكثير من أمواله إما بالسرقة والنهب أو بضياع قروضها التي لم تُسترد من العملاء.
على رئيس الوزراء أن يجد المخرج أو يخرج من المشهد بهدوء. أما جبايات وزارة المالية، فهي في ظني مجرد تدبير مؤقت في زمن الحرب، وليست وسيلة لنهضة الدولة وتقدمها. وإذا أردنا النهضة والتقدم، فعلينا بفتح الاستثمارات الجادة والمتكافئة، مع اعتماد نظام (BOT) لبناء البنية التحتية، فمواردنا إذا وُظفت بشكل صحيح لكفت.
علينا جميعًا أن نلتزم بالشفافية ونصدق في القول والعمل. استووا يرحمكم الله.

