المشاريع الصغيرة والمتوسطة في السودان: بين الخطاب العاطفى والفراغ المؤسسي
الفجوة بين القول والفعل
لفترات تجاوزت العشرة سنوات ، ظل جزء ممن بيده الأمر يتحدثون ويكثرون من الحديث بخصوص المشروعات الصغرى، والصغيرة، والمتوسطة (MSMEs) في السودان. هذا الخطاب المتكرر، الذي يوصف القطاع بأنه قاطرة التنمية والحل السحري لمشكلات البطالة، يقابله على أرض الواقع فراغ مؤسسي غريب . حتى لحظة كتابة هذه القصاصة، يتربع السودان قمة قائمة البلدان عديمة الجسم الذي ينظم، ويؤطر، ويطور هذا القطاع الحيوي , رغم تكرار طرق الامر على أبواب عدد من المسؤولين المختصين.
الوضع في السودان يمثل مفارقة مؤلمة: فبينما يمثل قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة عصب الاقتصاديات المرنة عالمياً، وأداة رئيسية لاستيعاب الخريجين والحد من تاثيرات الفقر السلبية، يظل في السودان مجرد “مادة خطابية” تفتقر إلى أي مرجعية تنظيمية حقيقية ذات صلاحيات تنفيذية. هذا الغياب يثير تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة المشكلة وعمقها:
(١) هل هي مشكلة عدم معرفة وجهل من المصرحين بأهمية وآليات إدارة هذا القطاع؟
(٢) أم هي مشكلة عدم رغبة وضعف إرادة وتأجيل مقصود من بعض القادة السياسيين لتجنب تنظيم قطاع يزاحم مصالح راسخة؟
تحليل الأسباب: الإرادة السياسية و التنفيذيـــة في قفص الاتهام
من الصعب قبول أن المشكلة تكمن في “الجهل” أو “عدم المعرفة” بأهمية القطاع. فالأدبيات الاقتصادية العالمية ، تضع تطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة كشرط أساسي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
لذلك، تميل الكفة بثقل نحو الخيار الثاني: ضعف الإرادة السياسية و التنفيذية وغياب الأولوية الحقيقية. إن تأسيس جسم مؤسسي فعال لـ (MSMEs) يتطلب بالضرورة:
1. تخصيص ميزانيات تشغيلية ضخمة تتجاوز مجرد محافظ الإقراض.
2. تعديل قوانين العمل والضرائب والجمارك لصالح هذه المشاريع.
3. تنسيق جهود وزارات وهيئات متعددة (الصناعة، التجارة، المالية، الزراعة , الموارد البشرية , الخ ) تحت مظلة واحدة، وهو ما يهدد بصدامات صلاحيات مع البيروقراطية القائمة.
إن التباطؤ، في هذا السياق، يصبح قراراً سياسياً غير مُعلن يخدم منطق “استدامة الوضع الراهن”، حيث يظل القطاع يعمل بطريقة عشوائية ومجزأة، مما يسهل عملية السيطرة على الفرص التمويلية المحدودة ويحول دون تحقيق القطاع لإمكاناته التنافسية الكاملة.
الفرق بين الإطار التمويلي والجسم التنموي
هناك فرق كبير بين إطار تمويل المشروعات الصغرى والصغيرة والمتوسطة وبين وجود جسم يطور القطاع ويحتويه ككل.
● الإطار التمويلي: يركز فقط على ضخ الأموال (قروض، تمويلات) من خلال المصارف أو صناديق متخصصة. دوره ينتهي بتقديم المال، ويتحول إلى مجرد “بنك إنمائي” صغير.
● الجسم التنموي الشامل (الهيئة/المجلس): يركز على بناء البيئة الحاضنة للقطاع. يشمل دوره:
○ التأطير القانوني والتنظيمي.
○ تسهيل الوصول إلى الأسواق الداخلية والخارجية.
○ بناء القدرات والتدريب الفني والإداري.
○ التشبيك (Networking) وربط المشروعات الصغيرة بالمؤسسات الكبيرة.
○ تبسيط الإجراءات وتقليل زمن بدء النشاط (Starting a Business).
بدون هذا الجسم التنموي، يصبح التمويل مجرد حبر يضاف إلى أوراق المشروعات، دون ضمان استمراريتها أو قدرتها على النمو والتوسع، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة التعثر.
دروس من الاقتصاد العالمي: تكامل الأدوار (حالة سلطنة عمان)
التقارير الاقتصادية الإقليمية والدولية تؤكد على ضرورة هذا التكامل. ففي التقرير الاقتصادي الذي أصدرته سلطنة عمان في أغسطس 2025م، أشار التقرير بشكل واضح إلى وجود تكامل في الأدوار لا تنافس:
“المؤسسات الصغيرة والمتوسطة هي التي توفر معظم الوظائف، بينما تظل المؤسسات الكبيرة هي المصدر الأكبر للقيمة المضافة (الناتج المحلي الإجمالي).”
هذه النتيجة تحمل دلالة بالغة الأهمية للسودان:
1. الوظائف والاستقرار الاجتماعي (دور MSMEs): المشروعات الصغيرة والمتوسطة ضرورية لتحقيق الاستقرار الاجتماعي واستيعاب القوى العاملة الشابة، خاصة في ظل محدودية قدرة القطاع الحكومي والخاص الكبير على توفير فرص عمل كافية.
2. القيمة المضافة والنمو الاقتصادي (دور المؤسسات الكبيرة): المؤسسات الكبيرة (LEs) هي التي تقود الاستثمار في التقنيات المعقدة والإنتاج الضخم والتصدير الذي يرفع القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
دور الهيئة المفقودة في السودان يجب أن يكون جسر العبور، حيث تعمل كنظام “حضانة” و “توجيه” لمساعدة المشروعات الصغيرة على اكتساب الكفاءة التشغيلية والمالية اللازمة لتتحول مستقبلاً إلى مؤسسات كبيرة تساهم في الناتج المحلي الإجمالي. بدون هذا الجسر، تظل المشروعات تدور في حلقة مفرغة من الاستمرارية لا النمو.
العواقب: خطر فوات الأوان والإهدار
للأسف، بهذا التوصيف وهذا التاريخ من الإهمال، وصل الأمر إلى مرحلة انعدام جدوى إطلاق هذا الجسم.
لماذا؟ لأن التأخير المستمر، خاصة في بيئة اقتصادية وسياسية متقلبة، يؤدي إلى استنزاف الموارد البشرية والمالية المتاحة. بعد فوات الزمن، ستندرج أي محاولات متأخرة تحت بند “الإهدار وتحقيق مكاسب ليست عامة”.
هذه المكاسب قد تكون:
● مكاسب سياسية: إطلاق الهيئة كـ “إنجاز” بغض النظر عن كفاءتها.
● مكاسب فردية: توجيه التمويلات المحدودة والامتيازات غير العامة لأطراف محسوبة، بدلاً من تأسيس قطاع تنافسي مفتوح.
لقد تجاوز السودان مرحلة “البحث عن الهيئة” إلى مرحلة “دفع ثمن غيابها”. لا يمكن للخطاب السياسي أن يسد الفراغ المؤسسي. إن الحاجة ليست إلى المزيد من الكلام، بل إلى إجراء عملية قيصرية لإخراج هذا المولود المؤسسي إلى النور، شريطة أن يأتي بمهام واضحة واستقلالية عن التجاذبات السياسية، وإلا سيصبح عبئاً جديداً على الخزينة العامة.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

