مراجعة نقدية لتقديرات دكتور إبراهيم البدوي حول التعافي الاقتصادي.
برفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
كما أشرت في مقالي السابق بعنوان(العلم والانتماء الحزبي السياسي… صراع داخل الاقتصاد السوداني)، يصعب في الوقت الحالي تقدير حجم الضرر الاقتصادي أو تحديد سنوات التعافي في الناتج المحلي الإجمالي بدقة، لأن ذلك يتطلب معرفة دقيقة بحجم الخسائر ومنهجيات علمية معترفًا بها وجهات عالمية متخصصة، مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة الأغذية والزراعة، وغيرها. فالاعتماد على هذه الجهات يضمن تقديرات دقيقة وموثوقة تساعد على توجيه السياسات، وتخطيط التعافي الاقتصادي، وتعزيز المصداقية الدولية للتقارير. أما التقديرات الفردية، بما في ذلك تقديري في هذا المقال، فهي غالبًا جزئية أو غير مكتملة ولا تعتمد على منهجيات دقيقة، ولا ينبغي اعتبار هذا المقال محاولة أكاديمية لتحديد السنوات اللازمة للتعافي بدقة. الهدف من هذا المقال هو توضيح المبالغة في تقديرات الدكتور إبراهيم البدوي، الذي اعتمد على قاعدة 70 لتقدير فترة استعادة النمو الاقتصادي. وتُعد هذه القاعدة صيغة رياضية بسيطة تُستخدم لحساب الزمن التقريبي اللازم لمضاعفة حجم كمية تنمو بمعدل ثابت، وذلك بقسمة الرقم 70 على معدل النمو السنوي. فمثلًا، إذا نما الاقتصاد بنسبة 5% سنويًا، فإنه يتضاعف خلال نحو 14 عامًا (70 ÷ 5). ومع أن هذه القاعدة مفيدة كمؤشر تقريبي في حالات النمو المستقر، فإنها لا تصلح لتقدير فجوة التعافي بعد الحرب، لأن الاقتصادات الخارجة من النزاعات لا تنمو بمعدلات ثابتة، بل تمر بمراحل متقلبة تشمل انكماشًا حادًا أوليًا، ثم تعافيًا سريعًا، يعقبه تباطؤ نسبي. لذلك، فإن استخدام قاعدة 70 في هذا السياق يؤدي إلى تبسيط مفرط للواقع الاقتصادي، إذ إنها تفترض نمط نمو لا يعكس طبيعة التعافي بعد الصدمات الكبرى. ومن ثم، فإن تقدير زمن التعافي الحقيقي يتطلب نموذجًا اقتصاديًا ديناميكيًا يأخذ في الاعتبار الصدمات، والتقلبات المرحلية، وتغير السياسات والبيئة الاقتصادية الكلية. باستخدام هذه الصيغة رجّح الدكتور ابراهيم البدوى أن السودان يحتاج حوالي 11 عامًا لاستعادة مستوى الناتج المحلي الإجمالي ما قبل الحرب، أي نحو خمسة أضعاف الناتج قبل النزاع، بافتراض سنة الأساس 2011. هذا الافتراض غير مناسب لمقارنة التقديرات قبل وبعد الحرب، ولا يعكس الواقع الحالي أو المستقبل، ولا يستند إلى منطق علمي سليم، لأن القياس على فترة سابقة كانت فيها ظروف النمو لا يعكس الواقع المستقبلي والحالي للاقتصاد. لذلك فقد بنيت تقديراتي على 2023 و 2024 باستخدام معدلات النمو التقديرية للبنك الدولى .
في المقابل، اعتمدت تقديراتي على سنوات 2023 و2024 باستخدام معدلات النمو التقديرية للبنك الدولي، مظهرة أن كثيرا من الأرقام المتداولة يحتاج إلى مراجعة نقدية أكثر توازنًا. الصيغة الحسابية المستعارة التي استخدمت هنا يمثل فيها ( L ) نسبة الانخفاض في الناتج المحلي بعد الحرب ، و (g) افتراض النمو الثابت بعد الحرب. عدد السنوات المطلوبة لاستعادة مستوى نمو ما قبل الحرب (الوصول للناتج المحلي الاجمالي قبل الحرب) (n ) يمكن التعبير عنها كما يلي:
n = In (1/1-L)/ In (1 + g).
هذه المعادلة تعكس عدد السنوات التي يحتاجها الاقتصاد لينمو (تدريجيًا) من مستواه المنخفض بعد الحرب حتى يعوض الفاقد ويعود إلى حجمه السابق. كلما كان معدل النمو (g) أعلى، كلما قل عدد السنوات ( n) اللازمة للتعافي. هذه الصيغة تعطي الزمن اللازم عند نمو مستمر لكن والإجابة الواقعية تعتمد أساسًا على حجم الانكماش الفعلي في الناتج المحلي الإجمالي منذ 15 أبريل 2023، وعلى تقديرات معدل النمو السنوي المستدام بعد الحرب. ونظرًا لتباين الأرقام الرسمية، يمكن اعتماد منهج حسابي واضح لتقدير المدة التي يحتاجها الاقتصاد لاستعادة مستوى ناتجه قبل الحرب، بناءً على سيناريوهات مختلفة للنمو، مع توضيح الافتراضات والمنهجية.
تشير تقديرات البنك الدولي في تقريره بعنوان: ( البنك الدولى، 2025، التحديث الاقتصادي للسودان 2025 – العواقب الاقتصادية والاجتماعية للصراع: رسم مسار للتعافي، مايو). إلى أن الاقتصاد السوداني انكمش بنسبة 29.4% في عام 2023، وبنحو 13.5% في عام 2024، بينما تُقدّر تقارير أخرى مثل صندوق النقد الدولي ومنصات بحثية مستقلة نسب الانكماش بين 18% و30%، تبعًا لحجم الدمار ومدى استمرار الصراع. واعتمادًا على فرضية البنك الدولة بانكماش قدره 29.2%، فهذا يعني أن الناتج المحلي الحالي يعادل نحو 70.8% من مستواه قبل الحرب. وباستخدام المعادلة الحسابية لاحتساب مدة التعافي عند معدلات نمو سنوية مختلفة، (تقديرات لسنوات التعافي بناءً على نسبة الانكماش في سنة الأساس)، تكون النتائج كالتالي: عند نمو 3% سنويًا يحتاج الاقتصاد إلى نحو 11 سنه، عند نمو 5% يحتاج الى نحو 7 سنوات، عند نمو 7% يحتاج الى نحو 5 سنوات، وعند نمو 10% يحتاج لنحو 4 سنوات وعند نمو 15% يحتاح لنحو 3 سنوات. هذه التقديرات نظرية تفترض نموًا مستمرًا وثابتًا دون تقلبات، في حين أن الواقع الاقتصادي عادةً ما يتسم بالتذبذب وعدم الانتظام، وقد يشهد فترات من التباطؤ أو الركود. واستنادا لتقديرات المعادلة أعلاه، واعتمادا على توقعات البنك الدولي للنمو خلال الأعوام 2025، 2026، و2027 ( 5%، 9.3%، و4.1% على التوالى، بمتوسط نحو 6.1% ) يمكن تقدير أن الاقتصاد السوداني حسب المعادلة أعلاه سيستعيد مستوى ناتجه قبل الحرب خلال 5 إلى 7 سنوات. وإذا تحقق نمو قوي في عام 2026 بنحو كما هو متوقع9.3% في تقرير البنك الدولى المشار الية أعلاه، فقد تنخفض المدة إلى نحو 4 سنوات فقط.اذا افترضنا أن معدل النمو بعد الحرب يُحسب وفق المعادلة السابقة، فإن تقديرات الدكتور إبراهيم البدوي (7 سنوات للتعافي عند نمو 10% و10 سنوات عند نمو 7%) تبدو غير دقيقة عند مقارنتها بالحسابات المبسطة، إذ يظهر أن معدل نمو 3% سينتج عنه نحو 11 سنة للتعافي، وهو الافتراض الأقرب لتقديراته ولكنه غير منطقي، خاصة عند مقارنة ذلك بتوقعات البنك الدولي للنمو في الأعوام 2025 و2026 و2027، التي تشير إلى متوسط 6.1%، أي ضعف المتوسط الذي اعتمد عليه الدكتور البدوي في حساباته.
في النهاية، يعتمد معدل النمو الممكن تحقيقه على مجموعة من العوامل الحاسمة: توقيت وقف الحرب، حجم الدعم والتمويل الخارجي، سرعة تعافي القطاعات الإنتاجية، كفاءة السياسات النقدية والمالية، ومستوى الاستقرار السياسي. لذا من الضروري دائمًا إجراء تحليل حساسية يأخذ في الاعتبار احتمالات تأخر التمويل أو تباطؤ النمو، لأن أي تغيير في هذه المعطيات قد يمدد أو يقلص فترة التعافي بصورة ملموسة. فضلا عنه وكما جرت العادةً يشهد الاقتصاد بعد الحرب مرحلة من نمو التعافي السريع وهي ظاهرة متكرره في كثير من الدول التي تمر بنفس المرحلة التي يمر بها السودان، إذ يظهر أي تحسن على أساس قاعدة منخفضة للناتج المحلي الإجمالي نتيجة الانكماش الحاد، ما يجعل نسب النمو تبدو كبيرة نسبيًا. ويساهم في هذا النمو كل من تدفقات التمويل الخارجي والمساعدات والقروض التي تدعم ميزانيات الحكومات وتمويل مشاريع إعادة الإعمار، وعودة النشاط الإنتاجي تدريجيًا في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات، بالإضافة إلى الإصلاحات والسياسات التحفيزية مثل تخفيض الضرائب ودعم القطاعات الإنتاجية وتسهيل الائتمان، وتحسن ثقة المستثمرين والمستهلكين التي تشجع على الاستثمار والإنفاق. ومع ذلك، فان هذا النمو غالبًا ما يكون مرتفعًا مؤقتًا، لأنه يعكس تعافي الاقتصاد من الانكماش وليس توسعًا مستدامًا على المدى الطويل، ومن ثم فإن تحقيق نمو مستدام يتطلب تعزيز الإنتاجية، تنويع الاقتصاد، وتحسين الكفاءة المؤسسية مع استمرار الإصلاحات والسياسات المالية والنقدية المستقرة.

