من الركود إلى النمو:
تجارب الدول الأفريقية بعد النزاعات المسلحة.
بروفسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم.
تُظهر التجارب أن الاقتصادات الخارجة من الحروب تمر عادةً بمرحلة تراجع حاد في النشاط الاقتصادي وارتفاع كبير في معدلات الفقر والبطالة، غير أن التجارب الأفريقية الحديثة تؤكد قدرة هذه الدول على التعافي بسرعة نسبية متى ما تحقق السلام، وتبنت الحكومات إصلاحات اقتصادية مؤسسية مدعومة بتمويل خارجي فعال. دراسة هذه التجارب تتيح إطارًا علميًا لفهم العوامل التي تمكّن من استعادة الناتج المحلي الإجمالي في السودان، وتساعد في صياغة سياسات واستراتيجيات تعافٍ واقعية وقابلة للتطبيق.
واستكمالًا لما تناولته في المقالين السابقين المنشورين بمجلة حواس الاقتصادية، الأول بعنوان “العلم والانتماء الحزبي السياسي… صراع داخل الاقتصاد السوداني”، والثاني “مراجعة نقدية لتقديرات الدكتور إبراهيم البدوي حول التعافي الاقتصادي”، أواصل في هذا المقال دراسة تجارب عدد من الدول الأفريقية التي مرت بظروف نزاع مشابهة. يهدف هذا المقال إلى فهم العوامل التي تسهم في استعادة الناتج المحلي الإجمالي، وتقدير المدة الزمنية التقريبية التي قد يحتاجها السودان للعودة إلى مستوى ناتجه المحلي قبل الحرب، استنادًا إلى هذه التجارب الواقعية وليس على تحليل علمي بحت. يعد هذا المقال تمهيدًا لمقال لاحق سيتناول المعوقات المشتركة المحتملة أمام التعافي الاقتصادي والتي أسهمت في إطالة مدة الوصول إليه.
فيما يلي خلاصة الدراسة المقارنة للدول الأفريقية التي مرت بأزمات مشابهة.
· بلغت نسبة الانكماش في الناتج المحلي لهذه الدول مستويات مرتفعة تراوحت بين 30% في سيراليون، و40% في موزمبيق، و50% في رواندا، مقارنة بانكماش السودان المقدر بنحو 29% وفقًا لتقديرات البنك الدولي لعام 2023.
· وتشير الخبرات المقارنة إلى أن معدل النمو السنوي بعد الحروب في أفريقيا يتراوح بين 6% و10% في المتوسط، وأن التعافي السريع لا يتحقق بالنمو الكمي فقط، بل بالإصلاحات الهيكلية والاستقرار السياسي والالتزام الدولي بتمويل إعادة الإعمار.
· شهدت عدة دول أفريقية تجارب مهمة في استعادة ناتجها المحلي بعد الحروب، حيث تمكنت من تحقيق معدلات نمو مرتفعة في فترات ما بعد النزاع. ففي رواندا مثلا، بعد الإبادة الجماعية والحرب الأهلية عام 1994، تجاوز معدل النمو السنوي 10% خلال سنوات التعافي الأولى. أما موزمبيق، فبعد نهاية الحرب الأهلية في منتصف التسعينات، حقق اقتصادها نموا مستقرا تجاوز 6% سنويا. وفي إثيوبيا، بعد انتهاء نزاع التيغراي، بلغ معدل النمو نحو 7%. كما سجلت أوغندا والكاميرون وموريشيوس وبسبب قلة الدمار تعافيا سريعًا بعد فترات من الاضطراب، حيث تمكنت من استعادة نمو قوي ومستقر في غضون سنوات قليلة.
· أما فترات التعافي، فقد تراوحت بين 4 و8 سنوات — رواندا (6 سنوات)، موزمبيق (5 سنوات)، سيراليون (7 سنوات)، وإثيوبيا (4 سنوات). وتشير التجارب إلى أن الدول التي حصلت على دعم دولي واسع واستعادت استقرارها السياسي سريعًا تمكنت من التعافي في فترات أقصر، بينما استغرقت الدول ذات الصراعات الممتدة وضعف الحوكمة وقتًا أطول بكثير.
· توضح التجارب الأفريقية أن النمو المرتفع بعد الحروب عادةً ما يعكس مرحلة تعافٍ من الانكماش، وليس توسعًا مستدامًا بالضرورة. ولكي يكون التعافي في السودان حقيقيًا ومستمرًا، يجب أن يستند إلى رؤية اقتصادية واضحة، إصلاح مؤسسي جاد، واستقرار سياسي وأمني طويل الأمد.
· رغم هذا النجاح النسبي، فإن التعافي لم يكن كاملًا في جميع الحالات، إذ تأثر بمدى حجم الدمار، ومستوى الدعم الدولي، والإصلاحات السياسية والاقتصادية التي تلت الحروب.
· العوامل المشتركة في هذه التجارب يمكن تلخيصها في: توقف النزاعات بسرعة، تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، تدفق المساعدات والقروض الخارجية لإعادة الإعمار والبنية التحتية، تبني إصلاحات اقتصادية ومؤسسية، مكافحة الفساد، وتحسين البيئة الاستثمارية، إلى جانب تنويع الاقتصاد وتبني سياسات مالية ونقدية مرنة.
· في ضوء ذلك، تشير المؤشرات إلى أن السودان قد يكون قادرًا على استعادة مستوى ناتجه المحلي خلال 5 إلى 7 سنوات إذا تحقق السلام وبدأت عملية إعادة الإعمار بفعالية، وهو ما يتسق مع التجارب الأفريقية المماثلة. ومع ذلك، يجب التحفظ على هذه التقديرات، إذ تعتمد بشكل كبير على عوامل غير مؤكدة مثل سرعة استقرار الوضع السياسي، سرعة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، توفر التمويل الخارجي، وعودة النشاط الإنتاجي بشكل كامل ومستدام. أي تأخير أو تعثر في هذه العوامل قد يمدد فترة التعافي بشكل كبير، كما أن طبيعة الاقتصاد السوداني المختلفة عن بعض الدول الأفريقية قد تؤثر على سرعة التعافي مقارنة بالتجارب السابقة .بالإضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية، من الضروري مواجهة الإصلاحات الاجتماعية الناجمة عن آثار الحرب السالبة، مع الأخذ في الاعتبار تنوع البيئات والقبائل، والتعددية الإثنية، وتوزع السكان والمناطق الجغرافية والإثنية.
المراجع:
تستند هذه المعلومات إلى تقارير ودراسات حول النمو الاقتصادي بعد النزاعات في إفريقيا، بما في ذلك تقارير البنك الدولي حول التعافي الاقتصادي بعد النزاعات، وتقارير صندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى تقارير وطنية ودولية عن مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي قبل وبعد النزاعات في دول مثل سيراليون، رواندا، موزمبيق، إثيوبيا، أوغندا، وغيرها من الدول التي مرت بأزمات مشابهة.
The World Bank, 2025, Sudan Economic Update 2025: Economic and Social Consequences of Conflict – Charting a Path for Recovery, World Bank, Washington DC.
World Bank, 2022, Post-Conflict Reconstruction in Africa: Lessons from Rwanda, Mozambique, and Sierra Leone.
IMF, 2023, Sub-Saharan Africa Regional Economic Outlook: Navigating Post-Conflict Growth.

