قراءة في الحرب السودانية الراهنة من منظور
غاياتري سبيفاك
د.أمل البكري البيلي
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، وجد ملايين السودانيين أنفسهم في قلب واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية المعاصرة. فقد تسببت الحرب في نزوح ولجوء الملايين، وانهيار مؤسسات الدولة، وتفكك البنى الاجتماعية والاقتصادية، ووقوع انتهاكات واسعة ضد المدنيين. ومع ذلك، ورغم ضخامة المأساة الإنسانية، ظل كثير من السودانيين يشعرون بأن أصواتهم لا تصل إلى العالم، أو أنها تصل مشوهة ومفلترة عبر وسطاء سياسيين وإعلاميين وإنسانيين يتحدثون عنهم أكثر مما يستمعون إليهم.
هنا تكتسب أطروحة المفكرة الهندية غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك في مقالها الشهير “هل يستطيع التابع أن يتكلم؟” أهمية استثنائية لفهم الحالة السودانية. فالسؤال الذي طرحته سبيفاك أواخر ثمانينيات القرن الماضي لا يتعلق فقط بالمستعمَرين في الهند، بل يمتد ليشمل كل الفئات التي تُقصى من دوائر السلطة والمعرفة والتمثيل. ومن هذا
المنظور يمكن إعادة صياغة سؤال سبيفاك في السياق السوداني على النحو الآتي: هل استطاع السودانيون، بوصفهم ضحايا للحرب، أن يُسمعوا العالم صوتهم الحقيقي؟ أم أن أصواتهم أُعيد تشكيلها وتمثيلها بواسطة فاعلين آخرين؟
لا يُقصد بمفهوم “التابع” عند سبيفاك مجرد الفقر أو الضعف السياسي، بل الموقع الذي يُحرم فيه الإنسان أو الجماعة من القدرة على إنتاج خطاب معترف به داخل النظام المهيمن. فالتابع ليس من لا يتكلم، وإنما من لا يُعترف بكلامه بوصفه معرفة مشروعة. وفي الحالة السودانية يمكن القول إن قطاعات واسعة من المدنيين أصبحت تشغل موقع “التابع” داخل النظام الدولي. فمع أن السودانيين يتحدثون يومياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وينشرون شهاداتهم وصورهم ومذكراتهم، إلا أن قدرتهم على التأثير في السردية الدولية للحرب ظلت محدودة للغاية. لقد تكلموا كثيراً، لكن العالم لم يستمع بالقدر نفسه.
ويعود ذلك إلى اختلال عميق في موازين القوة الإعلامية والسياسية والمعرفية بين المجتمعات المتضررة من الحرب وبين المؤسسات الدولية القادرة على تعريف الأزمة
وتفسيرها وصياغة أولويات التعامل معها.
تميّز سبيفاك بين نوعين من التمثيل:
الأول: التمثيل السياسي، أي التحدث نيابة عن الآخرين.
الثاني: التمثيل الرمزي أو المعرفي، أي تصوير الآخرين وتفسير واقعهم.
وفي الحرب السودانية برز هذان النوعان بوضوح.
فعلى المستوى السياسي، تحدثت أطراف عديدة باسم السودانيين: الحكومات، والمنظمات الدولية، والوسطاء الإقليميون، والقوى السياسية، والقوى العسكرية، والمنظمات الإنسانية.
وعلى المستوى المعرفي، قامت المؤسسات الإعلامية ومراكز الدراسات والخبراء الدوليون بإنتاج سرديات متعددة حول الحرب وأسبابها ومستقبلها.
لكن السؤال الذي يطرحه منظور سبيفاك هو: أين موقع المواطن السوداني العادي داخل هذه العملية الضخمة من التمثيل؟
في كثير من الأحيان أصبح السوداني موضوعاً للحديث لا شريكاً فيه. فالنازح واللاجئ والمرأة المتضررة والضحية المدنية تحولت إلى مادة للتقارير والإحصاءات والتحليلات، بينما ظل حضورها المباشر في صناعة السردية محدوداً.
ترى سبيفاك أن السلطة لا تقتصر على السيطرة السياسية،
بل تشمل القدرة على إنتاج المعرفة. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى المجتمع الدولي باعتباره منتجاً رئيسياً للخطاب حول السودان.
فالمؤسسات الدولية لا تكتفي بوصف الأزمة، بل تحدد أيضاً ما الذي يُعد أزمة، ومن هو الضحية، ومن هو الجاني، وما هي الأولويات الإنسانية والسياسية، وما هي الحلول المقبولة.وبذلك تصبح الأزمة السودانية مفهومة للعالم من خلال منظومات معرفية خارجية قد لا تعكس دائماً تعقيد التجربة السودانية نفسها.
لقد تحولت معاناة السودانيين في أحيان كثيرة إلى أرقام في تقارير الأمم المتحدة، أو إلى ملفات تفاوضية في المبادرات السياسية، أو إلى قضية إنسانية تُقاس بمؤشرات النزوح والجوع والتمويل الإغاثي. ورغم أهمية هذه الأدوات، فإنها قد تُخفي الأبعاد الإنسانية والثقافية والسياسية الأعمق لتجربة السودانيين .
يكتسب تحليل سبيفاك للنساء المستعمَرات أهمية خاصة عند تطبيقه على الحرب السودانية. فالمرأة السودانية عانت من مستويات متعددة من التهميش:
أولاً، بوصفها ضحية مباشرة للعنف والنزوح والانتهاكات.
ثانياً، بوصفها جزءاً من مجتمع مهمش على المستوى الدولي.
ومن ثم فإن المرأة السودانية تشبه إلى حد بعيد نموذج “المرأة التابعة” الذي ناقشته سبيفاك في مثال “ساتي”. فهي كثيراً ما تصبح موضوعاً للحديث الإنساني والحقوقي والإعلامي دون أن تكون حاضرة بالقدر الكافي في إنتاج الرواية الخاصة بمعاناتها ومقاومتها.لقد تحدثت منظمات عديدة عن النساء السودانيات، لكن مساحة حديث النساء السودانيات عن أنفسهن بقيت أقل بكثير من حجم الحديث عنهن.
من أهم أفكار سبيفاك أن الخطابات المهيمنة تميل إلى اختزال التجارب المعقدة في قوالب جاهزة. وقد واجهت الحرب السودانية هذه الإشكالية بوضوح. فبعض السرديات الدولية قدمت الحرب باعتبارها حرب أهلية أو أنها مجرد صراع على السلطة بين جنرالين، بينما ركزت سرديات أخرى على أبعادها الإنسانية أو الجيوسياسية.
ورغم أهمية بعض هذه التفسيرات، فإنها غالباً ما عجزت عن نقل الحقائق للعالم عن من أشعل الحرب ومن هو الداعم الحقيقي للمليشيا ، كما أخفقت في التعبير عن التجربة المعيشة للسودانيين: تجربة فقدان البيت، وانهيار المدينة، وتفكك الروابط الاجتماعية، وتدمير الذاكرة الجماعية، وتحول الحياة اليومية إلى معركة من أجل البقاء.
وهكذا أصبحت التجارب المحلية الغنية والمتنوعة أسيرة لسرديات دولية أكثر تبسيطاً وأقل حساسية للتفاصيل.
لو كانت سبيفاك تكتب اليوم، لربما اضطرت إلى إعادة النظر في بعض أبعاد أطروحتها بسبب الثورة الرقمية.فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للسودانيين فرصاً غير مسبوقة للتعبير المباشر عن معاناتهم ونقل صور الحرب وشهاداتها إلى العالم.لكن هذه المنصات لم تُلغِ مشكلة التمثيل بالكامل.
فالخوارزميات العالمية، وتفاوت الوصول إلى التكنولوجيا، وهيمنة اللغات العالمية، وتنافس الأزمات الدولية على الاهتمام الإعلامي، كلها عوامل تجعل وصول الصوت السوداني إلى الرأي العام العالمي عملية غير متكافئة.
بمعنى آخر، أصبح السوداني قادراً على الكلام أكثر من أي وقت مضى، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن العالم أصبح أكثر قدرة أو رغبة في الاستماع.
عندما سألت سبيفاك: “هل يستطيع التابع أن يتكلم؟” لم تكن تنكر قدرة المضطهد على النطق، بل كانت تشكك في البنية التي تحدد ما إذا كان كلامه سيُسمع ويُعترف به.
وفي السودان اليوم تبدو المشكلة مشابهة إلى حد كبير. فالسودانيون يتحدثون بالفعل، ويوثقون معاناتهم، ويكتبون شهاداتهم، وينظمون المبادرات المدنية، ويقاومون محاولات محو ذاكرتهم الجماعية. لكن العقبة الحقيقية تكمن في النظام العالمي الذي يحدد أي الأصوات تستحق الاهتمام،
وأي المآسي تستحق التغطية، وأي الروايات تصبح جزءاً من الوعي العالمي.
ومن هنا فإن التحدي لا يقتصر على تمكين السودانيين من الكلام، بل يمتد إلى إعادة بناء فضاءات دولية أكثر عدالة تسمح بالاستماع إلى أصواتهم بوصفها مصادر للمعرفة، لا مجرد موضوعات للدراسة أو الإغاثة أو التفاوض.
يكتسب النقاش حول السرديات المتنافسة بشأن الحرب السودانية بعداً نظرياً عميقاً عند قراءته في ضوء أطروحة غاياتري سبيفاك . فالنص الذي ينتقد محاولات المساواة بين الدولة السودانية وبين القوى المسلحة المتمردة لا يتناول مجرد خلاف حول توصيف سياسي للأحداث، بل يطرح في جوهره سؤالاً يتعلق بالسلطة والمعرفة والتمثيل: من يملك حق تعريف الصراع؟ ومن يحدد الصورة التي تصل إلى الرأي العام المحلي والدولي؟
ترى سبيفاك أن الهيمنة لا تُمارس فقط عبر القوة المادية، بل عبر القدرة على إنتاج الخطاب وتشكيل المعنى. فالسلطة الحقيقية لا تكمن في امتلاك السلاح أو النفوذ السياسي فحسب، وإنما في امتلاك القدرة على تحديد ما يُعد حقيقة، ومن يُنظر إليه بوصفه ضحية أو فاعلاً أو ممثلاً شرعياً لمجتمعه. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الحرب السودانية بوصفها ساحة صراع على السردية بقدر ما هي
ساحة صراع عسكري وسياسي.
فعندما تشير بعض الخطابات الإعلامية والسياسية إلى الحرب باعتبارها مجرد مواجهة بين طرفين متكافئين يتنازعان السلطة، فإنها لا تكتفي بوصف الواقع، بل تعيد إنتاجه معرفياً وفق إطار تفسيري محدد. وهذا ما تسميه سبيفاك “التمثيل”؛ أي إعادة تقديم الواقع من خلال منظومة مفاهيمية قد تحجب بعض الحقائق وتبرز حقائق أخرى. ووفقاً لهذا الفهم، تصبح المساواة بين الدولة وجماعة مسلحة ليست مجرد خطأ في التحليل السياسي، بل جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل معنى الصراع نفسه.
لقد كانت سبيفاك شديدة الحساسية تجاه الطريقة التي تتحدث بها النخب السياسية والأكاديمية والإعلامية نيابة عن الآخرين. فهي ترى أن الفئات المتأثرة بالأحداث كثيراً ما تُحرم من حقها في التعبير عن تجربتها الخاصة، لأن أصواتاً أكثر نفوذاً تتولى تمثيلها وتفسير واقعها. ويمكن ملاحظة هذا الأمر في الحالة السودانية عندما تصبح الروايات المنتجة في المراكز الإعلامية الدولية أو الدوائر السياسية الخارجية أكثر حضوراً وتأثيراً من الروايات الصادرة عن المجتمعات المتضررة من الحرب نفسها.
وفي هذا السياق يمكن القول إن إحدى المشكلات التي واجهت السودان خلال الحرب تتمثل في أن تعريف الأزمة لم يكن دائماً نابعاً من التجربة السودانية ذاتها، بل جرى في أحيان كثيرة من خلال أطر تفسيرية خارجية ركزت على جوانب محددة وأغفلت جوانب أخرى. فقد تم اختزال الصراع أحياناً في كونه تنافساً على السلطة بين مراكز قوة عسكرية، بينما تراجعت الروايات التي تنظر إليه باعتباره أزمة تتعلق بمستقبل الدولة ووحدة مؤسساتها واحتكارها المشروع للعنف.
ومن منظور سبيفاك، فإن هذا الاختزال يمثل شكلاً من أشكال “الإسكات الخطابي”. فالمشكلة ليست أن السودانيين لا يتحدثون، بل أن أصواتهم تُعاد صياغتها داخل أطر معرفية وسياسية تنتجها جهات أخرى. وهنا تتجلى المفارقة التي أشارت إليها سبيفاك: فالتابع قد يتكلم فعلاً، لكن صوته لا يصل كما هو، بل يصل بعد أن يمر عبر شبكات من التمثيل والتأويل وإعادة الصياغة.
كما يساعدنا مفهوم سبيفاك عن العلاقة بين المعرفة والسلطة على فهم أهمية المعركة الإعلامية التي أشار إليها النص. فالسرديات ليست مجرد أدوات للتواصل، بل أدوات لإنتاج الواقع السياسي. والطرف الذي ينجح في فرض تفسيره للأحداث يكتسب قدرة أكبر على التأثير في الرأي
العام وفي مواقف الحكومات والمنظمات الدولية. ولذلك فإن الصراع حول توصيف الحرب السودانية لا يقل أهمية عن الصراع الدائر على الأرض، لأنه يتعلق بتحديد الشرعية والمسؤولية وطبيعة الحلول المطروحة.
ومن هنا تبرز أهمية الدعوة الواردة في هذا المقال إلى بناء خطاب معرفي وإعلامي قائم على التوثيق والتحليل الرصين. فهذه الدعوة تتجاوز البعد الدعائي المباشر لتلامس قضية نظرية أعمق تتمثل في استعادة القدرة على تمثيل الذات. وهي القضية نفسها التي شغلت سبيفاك عندما تساءلت عما إذا كان المهمشون قادرين على التعبير عن أنفسهم بعيداً عن الوصاية المعرفية والسياسية التي تمارسها القوى الأكثر نفوذاً.
وعليه، فإن استعادة السردية الوطنية المتوازنة لا تعني فرض رواية أحادية أو إلغاء التعدد في وجهات النظر، وإنما تعني ضمان ألا يُختزل الواقع السوداني في تصورات خارجية أو تفسيرات مبتسرة تتجاهل تعقيداته التاريخية والسياسية. فالهدف ليس احتكار الحقيقة، بل تمكين المجتمع السوداني من أن يكون فاعلاً في إنتاج المعرفة حول أزمته، لا مجرد موضوع تتحدث عنه القوى الأخرى.
وبهذا المعنى يصبح سؤال سبيفاك “هل يستطيع التابع أن
يتكلم؟” سؤالاً وثيق الصلة بالحالة السودانية. فالتحدي لا يكمن فقط في امتلاك الصوت، وإنما في امتلاك القدرة على إيصال هذا الصوت إلى العالم دون أن يُعاد تشكيله أو مصادرته أو التحدث باسمه. ومن هنا فإن معركة السودان ليست فقط معركة دفاع عن الأرض والدولة، بل هي أيضاً معركة دفاع عن الحق في تعريف الذات وصياغة الرواية الوطنية في مواجهة السرديات التي تسعى إلى إعادة إنتاج الواقع وفق تصوراتها الخاصة.
وإذا كانت غاياتري سبيفاك قد انطلقت من سؤال: “هل يستطيع التابع أن يتكلم؟”، فإن الحالة السودانية تدفعنا إلى طرح سؤال مكمل: “هل يستطيع التابع أن يُسمع؟”. فالمشكلة التي تواجه المجتمعات الواقعة على هامش النظام الدولي لا تتمثل دائماً في غياب القدرة على التعبير، بل في وجود حواجز غير مرئية تحول دون وصول هذا التعبير إلى دوائر التأثير وصناعة القرار.
ويمكن الاستعانة هنا بمفهوم “السقف الزجاجي” بوصفه إطاراً تفسيرياً يساعد على فهم هذه الظاهرة. فالسقف الزجاجي يشير في أدبيات العلوم الاجتماعية إلى العوائق غير المرئية التي تمنع الأفراد أو الجماعات من الوصول إلى مواقع النفوذ رغم امتلاكهم المؤهلات والقدرات اللازمة. وعند نقل هذا المفهوم إلى مجال الإعلام والسياسة الدولية
يمكن الحديث عن “السقف الزجاجي الخطابي” أو “السقف الزجاجي المعرفي”.
ويقصد بهذا المفهوم وجود منظومة عالمية لإنتاج المعرفة وتداول الأخبار وتشكيل الرأي العام تتيح للمجتمعات المهمشة أن تتحدث، لكنها لا تمنحها القدر نفسه من القدرة على التأثير الذي تتمتع به المؤسسات الإعلامية الكبرى ومراكز التفكير الدولية والقوى السياسية المهيمنة. فالصوت السوداني يستطيع الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي والفضاءات الرقمية، لكنه كثيراً ما يواجه سقفاً زجاجياً يمنعه من التحول إلى سردية دولية مؤثرة.
ومن هذه الزاوية يمكن إعادة قراءة سؤال سبيفاك. فالسودانيون لم يكونوا صامتين خلال الحرب؛ فقد أنتجوا آلاف الشهادات والتقارير والمبادرات الإعلامية وحملات التوثيق. لكن هذه الأصوات ظلت في كثير من الأحيان أسيرة فضاءات محدودة التأثير مقارنة بالسرديات التي تنتجها المؤسسات الإعلامية الدولية الكبرى. وهكذا لا يصبح الإشكال في غياب الكلام، بل في وجود بنية عالمية تحدد أي الأصوات تستحق الانتشار وأيها تبقى على الهامش.
كما يفسر مفهوم السقف الزجاجي الخطابي سبب قدرة بعض السرديات المبسطة على الهيمنة رغم تعارضها مع
تعقيدات الواقع. فالروايات القادمة من المراكز الدولية تتمتع بموارد إعلامية ومؤسسية هائلة تجعلها أكثر قدرة على الانتشار واكتساب الشرعية، بينما تواجه الروايات المحلية صعوبة في اختراق الحواجز المؤسسية واللغوية والثقافية التي تحكم المجال الإعلامي العالمي.
وبذلك تلتقي أطروحة سبيفاك مع مفهوم السقف الزجاجي عند نقطة جوهرية هي أن التهميش لا يُمارس دائماً عبر المنع المباشر أو القمع الصريح، بل عبر بنى خفية تجعل الوصول إلى الاعتراف والتأثير أكثر صعوبة. فالإنسان أو المجتمع قد يمتلك القدرة على الكلام، لكنه يظل عاجزاً عن تجاوز الحدود غير المرئية التي تفصل بين التعبير والتأثير.
ومن ثم فإن أحد أهم تحديات السودان في المرحلة الراهنة لا يتمثل فقط في إنتاج روايته الوطنية، بل في كسر السقف الزجاجي المعرفي الذي يحول دون وصول هذه الرواية إلى مراكز صناعة الرأي العام والقرار الدولي. وهذا يتطلب بناء مؤسسات بحثية وإعلامية أكثر قدرة على مخاطبة العالم بلغاته وأدواته، وتحويل الخبرة السودانية من مادة للتلقي إلى مصدر لإنتاج المعرفة حول السودان وأزماته ومستقبله.
تكشف قراءة الحرب السودانية من منظور غاياتري سبيفاك أن أزمة السودان ليست فقط أزمة حرب ونزاع مسلح، بل هي أيضاً أزمة تمثيل وصوت واعتراف. فكما بينت سبيفاك في نقدها للخطابات الاستعمارية، قد يتحول الحديث عن الضحايا إلى شكل جديد من إسكاتهم عندما يُنتزع منهم حق تعريف ذواتهم وسرد تجاربهم.
إن المأساة السودانية المعاصرة تذكرنا بأن العدالة لا تقتصر على وقف الحرب أو تقديم المساعدات الإنسانية، بل تشمل أيضاً تمكين السودانيين من أن يكونوا رواة قصتهم، لا مجرد شخصيات داخل قصص يكتبها الآخرون. وعندها فقط يمكن أن يتحول سؤال سبيفاك من “هل يستطيع التابع أن يتكلم؟” إلى سؤال أكثر أملاً: هل أصبح العالم مستعداً أخيراً للاستماع؟
د.أمل البكري محمد إسماعيل
بروفسير مساعد

