حٔسن إستخدام الموارد مع التحديات الراهنة
(رؤية عملية اقتصادية)
بقلم : احمد حسن الفادني
في ظل التحولات العاصفة التي يشهدها السودان حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع الاضطرابات السياسية والاجتماعية لتشكل لوحة معقدة من التحديات التي تطوق الدولة والمجتمع على حد سواء، ومع ذلك فإن بين طيات هذه الأزمات تكمن فرص نادرة ، فرص لإعادة اكتشاف الذات الاقتصادية السودانية عبر حسن استخدام الموارد وتوظيفها ضمن رؤية عملية قائمة على القيمة المضافة والإنتاج الذكي يستعرض هذا المقال بعض من التشخيص العام و المقترحات و الأفكار لتؤسس لدراسات اقتصادية استراتيجية واضحة و قابلة للتنفيذ لو تحققت الإرادة السياسية.
أولا: الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الراهن:
يعاني السودان اليوم من حالة اختلال مركب في موارده الاقتصادية، فبين وفرة الموارد وندرة الإدارة ضاعت فرص النمو المستدام، حيث يمتلك السودان مقومات دولة غنية من أراض زراعية خصبة و موارد مائية ضخمة و ثروة حيوانية هائلة و معادن نادرة و سواعد بشرية شابة لكن هذه الموارد ظلت أسيرة أنماط إدارة تقليدية متراكمة و متقطعة غير مترابطة وغير قائمة على أسس علمية أو مؤسسية راسخة، و من التقسيم التالي تتضح لنا هذه النقاط
– سياسيا: أثرت هشاشة الاستقرار الحكومي وضعف التنسيق بين مؤسسات الدولة على قدرة السودان في رسم سياسات اقتصادية متماسكة، كما أن النزاعات الداخلية قديما وحديثا استنزفت الموارد في اتجاهات غير إنتاجية ، فيما تراجع الاستثمار الوطني والأجنبي بسبب ضبابية البيئة القانونية.
– إجتماعيا: فقد أنتجت الأزمات الاقتصادية واقعا معيشيا ضاغطا انعكس على قيم العمل والإنتاج فظهرت البطالة المقنعة بالاعمال الهامشية وازداد الاعتماد على المساعدات والدعومات بدلا من الابتكار والإنتاج المحلي.
ثانيا: حسن استخدام الموارد من الشعارات إلى الفعل:
التحول من مجرد استهلاك للموارد إلى إنتاج ذو قيمة مضافة يتطلب رؤية عملية متكاملة تقوم على ثلاث ركائز رئيسة وهي:
1. إعادة هيكلة أولويات الموارد
– يجب ألا تدار الموارد بالكمية وانما بالكيفية فبدل تصدير الخام ينبغي بناء منظومة إنتاج محلي متكاملة تعيد تدوير الموارد وتحولها إلى منتجات نهائية من خلال التاسيس الصناعات التحويلية الصغيرة مثلا لذلك:
– في الزراعة: الانتقال من تصدير السمسم والفول والقطن خاما إلى صناعة الزيوت، المنسوجات، والأعلاف.
– في الثروة الحيوانية: إنشاء مجمعات لتصنيع اللحوم والألبان والجلود بدل تصديرها في شكلها الخام.
– في التعدين: اعتماد شراكات وطنية ذكية لتوطين الصناعة التحويلية للذهب والمعادن النادرة داخل السودان.
2. تبني نماذج حديثة للإدارة الاقتصادية: يحتاج السودان إلى نموذج إداري مرن قائم على المعرفة يعتمد على التكنولوجيا و البيانات والحوكمة الرشيدة.
– النموذج الأول: نموذج المناطق الإنتاجية المتكاملة (Integrated Production Zones)(I.P.Z) تقام في الولايات الغنية بالموارد لتجميع سلاسل القيمة الكاملة( من الإنتاج إلى التصنيع والتصدير ) مما يخلق بيئة عمل تشاركية ويحد من الفاقد اللوجستي.
– النموذج الثاني: نموذج الاقتصاد الدائري حيث يتم إعادة تدوير الفاقد الزراعي والحيواني والمعدني إلى طاقة وأسمدة ومدخلات إنتاج جديدة.
– النموذج الثالث: الشراكات المجتمعية للإنتاج المحلي إشراك المجتمعات المحلية في إدارة الموارد القريبة منها عبر صناديق تنمية مجتمعية تضمن عدالة التوزيع وتحفيز الإنتاج، وهو مهم لا به لكن بصورة وأسلوب بسيط جدا دون الطموح.
3. تفعيل رأس المال البشري: لا قيمة لأي مورد إن لم يحسن الإنسان إدارته، فالمطلوب اليوم هو تحويل الشباب إلى طاقة إنتاجية منظمة عبر التدريب التقني وتمويل المشروعات الصغيرة وربط التعليم بالاحتياجات الفعلية للاقتصاد، يمكن تبني برامج تشغيل وطنية قائمة على المهارات بدلا من التوظيف التقليدي في القطاع العام، أو عبر مؤسسات ريادة الأعمال وفق أسس علمية عملية قادرة على النهوض بالاقتصاد التكاملي.
ثالثا: الرؤية العملية للتنفيذ:
لتحويل هذه الأفكار إلى واقع نقترح في هذا المقال خارطة طريق تنفيذية وفق ثلاث مراحل:
1. المرحلة الأولى: التأسيس المؤسسي والإطار التشريعي عبر:
– إنشاء مجلس القومي أو برنامج قومي لحسن استخدام الموارد يجمع وزارات الإنتاج والمالية والجامعات والقطاع الخاص.
– وضع قانون القيمة المضافة الوطنية يحفز الصناعات المحلية ويمنح مزايا ضريبية لمشروعات التحويل والإنتاج.
– إطلاق منصة رقمية وطنية لحصر الموارد ومتابعة إنتاجها وتوزيعها بشفافية.
2. المرحلة الثانية: التحفيز الاقتصادي والتمويل الإنتاجي من خلال:
– تأسيس بنوك إنتاجية متخصصة في الأنشطة الاقتصادية الكلية (في التعدين، الصناعات التحويلية، اللوجيستيك، … اخرى).
– توجيه التمويل الأصغر نحو مشروعات إنتاجية ذات عائد مجتمعي وليس نحو الاستهلاك.
– تشجيع الاستثمار المشترك بين المغتربين والمجتمعات المحلية عبر محافظ استثمارية مدعومة من الدولة وذات ضمانات موثوقة.
3. المرحلة الثالثة: التحول نحو القيمة المضافة والتصدير الذكي عبر التالي:
– توطين الصناعات التحويلية في مناطق الإنتاج.
– تطوير سلاسل الامداد اللوجستية وربطها بالموانئ عبر السكك الحديدية والنقل النهري و البحري.
– فتح الأسواق الإقليمية عبر اتفاقيات تبادل تجاري قائمة على المنتجات ذات الهوية السودانية المميزة.
رابعا: البعد الاجتماعي والسياسي للتحول:
أي إصلاح اقتصادي دون تسوية اجتماعية وسياسية سيكون هشا، فالمطلوب هو بناء عقد وطني جديد يربط بين العدالة في توزيع الموارد والشفافية في إدارتها والمساءلة في استخدامها، وعليه يجب أن تصاغ الخطط الاقتصادية بروح التوافق لا المغالبة وبمنهج المشاركة لا الإقصاء.
خامسا: نحو نموذج سوداني جديد في التنمية:
إن حسن استخدام الموارد السودانية لا مجرد مشروعا اقتصاديا انما هو رؤية حضارية متكاملة تعيد للسودان مكانته كدولة منتجة و مكتفية ذاتيا و مصدرة للمعرفة والمنتجات لا للخام ،و حتى يتحقق ذلك يجب أن يبنى هذا التحول على قيم العمل و الشفافية والابتكار، هي معادلة لا مستحيلة بل هي لحظة استيقاظ وطنية إذا أحسن السودان اغتنامها، يمكن أن تضعه على طريق النهضة الحقيقية نهضة تقوم على الاقتصاد المنتج والمجتمع المتماسك والدولة الراشدة.
بهذا يمكن أن نقول في خلاصة القول إن حسن استخدام الموارد في السودان ليس شعارا تنمويا هو ضرورة وجودية، و إنه الطريق الواقعي لتجاوز الأزمة الراهنة وتحويل التحديات إلى فرص والخسائر إلى استثمارات، فحين تدار الموارد بعقل علمي و بمنهج عملي وبروح وطنية صادقة فإن السودان قادر لا محالة على أن يكتب فصلا جديدا في تاريخه الاقتصادي الحديث.

