حين يتحرر الفكر الاقتصادي من (الأدلجة) … يبدأ التغيير الحقيقي.
(الشمول المالي نموذجا).
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
“الشمول المالي هو فكر (براغماتي) يهدف إلى تمكين جميع فئات المجتمع، وخاصة الفقراء والنساء ورواد الأعمال الصغار، من الوصول إلى الخدمات المالية الرسمية، دون الانحياز إلى رأسمالية أو اشتراكية أو لتفسير إسلامي تقليدي”.
في أوقات الأزمات، تبحث الشعوب عن وصفات جاهزة لإنقاذ الاقتصاد، فيتقلب الساسة والمفكرون بين أقصى الرأسمالية وأقصى الاشتراكية، أو بين اقتصاد السوق الكامل والدولة المتدخلة في كل شيء. لكن أثبتت التجربة أن الاقتصاد لا ينهض بالشعارات ولا بالإيمان الأعمى بأي مذهب، بل بالعقل النقدي الحر و(البراغماتية) في التفكير، ذلك المنهج الذي يقيس السياسات والأفكار وفق نتائجها العملية، لا وفق التوافق مع النظريات أو المذاهب. لقد أضرت (الأدلجة) بالفكر الاقتصادي في كثير من الدول النامية بما فيها السودان، حين تحول النقاش من “ما الذي يصلح لاقتصادنا؟” إلى “لأي مدرسة نتبع؟”، فصار الولاء للمدرسة أهم من تحقيق النتائج على الأرض، حتى وإن كانت سلبية. وبهذا أصبح الفكر الاقتصادي من قبل المفكرين والاقتصاديين أداة لتبرير السياسات التي لا تتوافق مع أفكارهم الجامدة، بدلا من أن يكون وسيلة لتحليل الواقع وتغييره بما هو أجدى عمليا، مما أدى إلى اقتصادات مشوّهة، لا سوقية بالكامل ولا موجهة بفاعلية، بل خليط من قرارات متناقضة وولاءات فكرية عمياء.
حين يتحرر الفكر الاقتصادي من (الأدلجة)، يتحول الاقتصادي من داعية لمذهب إلى (مهندس) ذكي للواقع، ومن مفسر للنصوص الجامدة إلى صانع سياسات فاعلة على الأرض. عندها فقط يبدأ التغيير الحقيقي، إذ يصبح الاقتصاد علمًا حيًا مرتبطًا بالحياة اليومية للناس ومعاشهم، لا جدلا نظريا بين مدارس جامدة. المستقبل الاقتصادي، من وجهة نظري، لا تصنعه الأيديولوجيات، بل المرونة الفكرية، والواقعية، والعقل النقدي القادر على فهم الواقع والتفاعل معه بذكاء. وهكذا يكون الطريق نحو تنمية حقيقية قائمة على الفعل والتحليل لا على الانحياز والتبشير والإعلام الضار. تحرير الفكر الاقتصادي من (الأدلجة) لا يعني التنكر للمبادئ أو القيم، بل يعني استعادة العقلانية والمنهج العلمي في التفكير الاقتصادي. فليس من العيب أن تستفيد الدولة من أدوات السوق لتحفيز الإنتاج، ولا أن تتدخل لضبط التوزيع وتحقيق العدالة الاجتماعية عند الحاجة. المعيار الحقيقي ليس الولاء لمذهب اقتصادي، بل النتائج الفعلية: هل تحسّنت معيشة المواطن؟ هل تحققت الاستدامة في التنمية؟ هل توسعت قاعدة الإنتاج والفرص الاقتصادية؟. الاقتصاد ليس ساحة للصراعات (الأيديولوجية) ولا الحديث المنمق، بل هو سياسات وإجراءات وعمل على الأرض لخدمة الإنسان. والدول التي نجحت في تحقيق نهضتها، مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة والصين، لم تكن أسيرة مذهب واحد، بل تبنت السياسات التي تناسب مرحلتها وظروفها. مارست السوق حين كان الإنتاج بحاجة للتحفيز، و تدخلت الدولة حين استدعت حماية القطاعات الحيوية أو توجيه التنمية. هذه المرونة الفكرية هي سر النجاح، لأنها ترتكز على التفكير العملي (البرغماتي) والنتائج الواقعية، لا الولاء النظري. في السودان وسائر الدول النامية، يحتاج الفكر الاقتصادي إلى هذا النوع من التحرر: أن تنطلق المبادرات والحلول من فهمنا للواقع لا من الكتب، ومن حاجات المجتمع لا من نصوص (الأيديولوجيا). فالأولويات ليست في إثبات صواب مدرسة فكرية من قبل المنظرين والباحثين، بل في بناء اقتصاد منتج، واستقرار نقدي، وقطاع عام فعال، وبيئة جاذبة للاستثمار وعدالة اقتصادية وإيجاد الحلول المعيشية للناس. هذه الأهداف العظيمة لا تتحقق بشعارات مثل اقتصاد السوق الحر أو الاقتصاد الموجه، بل بسياسات مدروسة تراعي قدرات الدولة، وتوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وتوسع ما هو ناجح على الأرض.
لطالما كانت السياسات الاقتصادية في الدول النامية رهينة (للأيديولوجيا)، تتأرجح بين الانفتاح الكامل واقتصاد الدولة الموجه. لكن التجربة أثبتت أن النهوض الاقتصادي لا يتحقق بالشعارات، بل بالحلول (البراغماتية) الواقعية التي توازن بين الكفاءة والعدالة. رؤيتي أن الإنسان حين يفكر ويعمل بحرية في بيئة تتيح له الفرص، يبتكر ويخرج من قيود (الأدلجة). في التحرر من (الأيديولوجيات) يولد الوعي والإصلاح، ويمكن من اختيار الخيار الأنسب، وهو يمثل العودة إلى جوهر الإنسان وعقله الحر لصناعة مستقبل أفضل له و لأوطانه. من هذا المنطلق، يبرز الشمول المالي كنموذج عملي لتحرير الفكر الاقتصادي من أسر (الأدلجة) وتحقيق تنمية شاملة قائمة على المشاركة والتمكين. الشمول المالي ليس رأسمالية صرفة، ولا اشتراكية جامدة، ولا إسلامية بالمعنى التقليدي؛ إنه فكر (براغماتي) يسعى لتحقيق هدف واضح: تمكين جميع فئات المجتمع، خصوصًا الفقراء والنساء ورواد الأعمال الصغار، من الوصول إلى الخدمات المالية الرسمية. هذه الفكرة البسيطة ثورية في أثرها، إذ تفتح الباب أمام ملايين الناس للمشاركة في النشاط الاقتصادي المنتج، وتحويلهم من مستهلكين هامشيين إلى فاعلين نشطين في الدورة الاقتصادية.
في الماضي، كانت بعض النخب الاقتصادية تنظر إلى السياسات الاقتصادية ذات البعد الاجتماعي بريبة، معتبرة إياها “تشوهًا للسوق” مثله مثل الحالات التي لا تعمل فيها قوى العرض والطلب بحرية لتحديد الأسعار والكميات بكفاءة، مما يؤدي إلى تخصيص غير أمثل للموارد الاقتصادية، كالاحتكار، التدخل الحكومي المفرط، أو المعلومات غير المتكافئة بين الأطراف. في حين اعتبرت تيارات (أيديولوجية) أخرى الخدمات المالية بمثابة “احتكار رأسمالي”، على الرغم أن الخدمات المالية بحد ذاتها ليست احتكارًا رأسماليًا، لكنها قد تتحول إلى احتكار في بعض النظم الاقتصادية إذا سيطرت مؤسسات كبيرة قليلة على السوق بالكامل، كما يحدث أحيانًا في البنوك الكبرى أو شركات التأمين في بيئات غير منافسة. الشمول المالي يسعى لتحرير الوصول إلى الخدمات المالية وتمكين الجميع من استخدامها، خصوصًا الفقراء ورواد الأعمال الصغار، وبالتالي يقلل من احتمالية الاحتكار ويعزز المنافسة. على كل، الشمول المالي تجاوز هذا الجدل العقيم، إذ جمع بين منطق السوق والكفاءة من جهة، والعدالة والتمكين الاجتماعي من جهة أخرى. حين تصل الخدمات المصرفية والتأمينية والرقمية إلى القرى والأطراف بصورة مربحة لمقدميها، يرتفع الادخار، وتزداد فرص الاستثمار، وتنشط المشاريع الصغرى والصغيرة، ويتسع الإنتاج القومي وينمو الناتج المحلي الحقيقي. وقد تبنت دول عديدة هذا النهج العملي: فالهند استخدمت التكنولوجيا لتوفير حساب مصرفي لكل مواطن، وإندونيسيا عبر دمج الخدمات المالية الإلكترونية لتسهيل المدفوعات والتمويل للفئات محدودة الدخل، ورواندا وكينيا جعلت من المحافظ الرقمية والهاتف المحمول وسيلة مالية شاملة عبر “M-Pesa”، وربطت مصر الشمول المالي بتمكين المرأة والمشروعات متناهية الصغر. ولا يمكننا أن نغفل الإشارة إلى بعض السياسات والنجاحات المرتبطة بالتمويل الأصغر في السودان، والتي أراها غير مسبوقة، مثل: ضمان التمويل الأصغر بالجملة، وإنشاء شركة (أبيكس، وكالة مظلية ) كأول كيان متخصص في تنمية التمويل الأصغر على مستوى أفريقيا، وتمويل مشاريع إيصال الكهرباء إلى أطراف المدن باعتبارها تمويلًا اجتماعيًا، بالإضافة إلى تخصيص نسبة من محافظ المصارف للتمويل الأصغر، وإنشاء محافظ خاصة للتمويل الأصغر يشارك في رأسمالها البنك المركزي. هذه التجارب لم تتطلب مذهبا اقتصاديا جديدًا، بل تحررًا فكريا من ثنائية السوق والدولة، وإيمانًا بأن الحلول الذكية تأتي من فهم الواقع لا من نصوص الكتب الجامدة.
في السودان، يمثل الشمول المالي مدخلًا عمليًا لإعادة بناء الاقتصاد بعد الحرب، شريطة أن يُعتمد كخيار وطني بعيدًا عن (الأدلجة) والانحيازات الفكرية. تعزيز الخدمات المصرفية الرقمية، وتوسيع التمويل الأصغر والصغير المنتج، ودعم المحافظ الإلكترونية في المناطق الريفية، أدوات فعّالة لدمج الفئات المهمشة في النشاط الاقتصادي. وعندما يتحول المواطن من متلق للمساعدات إلى منتج مشارك فاعل، يبدأ الاقتصاد في استعادة عافيته تدريجيًا من القاعدة إلى القمة. تؤكد تجربة الشمول المالي أن التنمية لا تتحقق من خلال رؤية واحدة أو فكر (مؤدلج)، بل عبر تفكير حر ونقد واعٍ يضع الإنسان في قلب العملية الاقتصادية. فالأوطان لا تبنى بالشعارات الرنانة، بل بالعقول المستقلة التي تصمم السياسات على أساس النتائج والمتحصلات لا النظريات. ومن هنا، يصبح تحرير الفكر الاقتصادي من (الأدلجة) الخطوة الأولى نحو التغيير الحقيقي. خلاصة القول: المستقبل لن يُصنع بشعارات المدارس الاقتصادية المتنازعة، بل بسياسات واقعية و(براغماتية) تمكّن الناس من المشاركة والإنتاج والإبداع. جوهر التنمية الحقيقية هو اقتصاد متمحور حول الإنسان، يضع احتياجاته وقدراته في المركز، لا ( الأيديولوجيا) الاقتصادية التي أثبتت فشلها.

