أهو كلام والسلام
التعبئة والتغليف
فؤاد قباني
في ثمانينيات القرن الماضي، وأثناء زيارةٍ للمملكة العربية السعودية، قمتُ بزيارةٍ لسوق الخضار – أو ما يُسمّى بـ البرحة – في مدينة جدة، بغرض دراسة السوق.
هالني ما رأيت من صادر المانجو والليمون؛ نعم، الكرتون جديد، لكنه أشبه بكرتون تعبئة الصابون ذي اللون البني!
إن مصنع الكرتون يُعدّ من الاستثمارات الكبيرة في السودان، غير أن الخطأ – في تقديري – يقع على المصدر نفسه، في سوء الاختيار واتباع سياسة “الموجود والواقع”.
أما صادر الليمون، فكانت الجوالات والكراتين في سوءٍ لا يوصف.
الآن، وقد قارَبنا نصف قرن من ذلك الزمان…
هل تغيّر شيء؟
لم يتغيّر شيء.
ما زلنا نقف نتفرّج على العالم من حولنا وهو يتقدّم وتزدهر أسواقه، بينما ما زال مصنع الكرتون واحداً، والجوالات لا تُنتجها سوى مصنعين: أحدهما تجاري، والآخر تابع لشركة السكر لتعبئة منتجاتها.
—
سافر فللسفر خمس فوائد، كما ذكر الإمام الشافعي:
تفريج كرب، وكسب رزق، واكتساب علم، وتعلّم آداب، وصحبة كرام.
تفرّق بأهل السودان السبل بسبب الحرب وويلاتها، وحتماً سيعود من بقي منهم إلى الديار.
وأتمنى أن يتسلّح الشباب بالعلم والمعرفة، وأن يكتسبوا من فوائد الأسفار ولو القليل.
كنا نعيش في وهمٍ كبير بأننا “الأحسن”، وكنا نقول: “كنّا وكان آباؤنا وأجدادنا”،
بينما شباب العالم من حولنا يقول: “ها أنا ذا” وليس “كان أبي”.
—
نريد لشبابنا أن يتعلّموا التجارة الحديثة، وكيف يتم الصادر ودروب التجارة العالمية.
فمنذ التأميم والمصادرة التي أجراها نظام مايو، وما تلاها من حرب مصالح، ثم الحرب الاقتصادية التي بدأت سرّاً وأصبحت في عهد الإنقاذ جهراً،
تاه الاقتصاد وضاع الجنيه.
(السيدو كان معروف… ويا حليل الجنيه الكان بيعشّي ضيوف!)
نحن الآن في مرحلة نكون أو لا نكون.
لا بد أن ننهض بالبلاد، ولا بد أن ننهض بالاقتصاد، وعماد الاقتصاد هو الصادر، وعماد الصادر هو الإنتاج.
فعلى الشباب أن يتحزّم ويكرب القاش، كفانا عطالةً وتسكّعاً في الطرقات.
على الجميع أن يتوجّه إلى الحقول للزراعة والإنتاج.
—
ولكي نحسّن الصادر والتجارة العالمية، يجب أن نعرف متطلباتها، وأهمها الجودة، والخلو من المحسّنات الكيميائية.
وهذا يسير علينا، لأن منتجاتنا طبيعية، لكن مشكلتنا في التعبئة والتغليف؛
فنحن لا نحسنها، ولا نهتم بالمظهر الخارجي، ولا نستفيد من الفنانين التشكيليين في تصميم أغلفةٍ تُسرّ الناظرين.
هناك شركات بدأت إنتاجاً وافراً مخصصاً للصادر، تتقدّمها شركة زادنا، التي تلعب دور الدولة الرائد في فتح طرق الصادر المغلقة وفتح أسواق جديدة، ومعها بعض الشركات الأخرى.
ونتمنى أن تقوم شركاتٌ لتصنيع معينات التعبئة والتغليف بصورةٍ عصريةٍ تفي بمتطلبات المرحلة المقبلة، التي نأمل أن تضع منتجاتنا في مرتبةٍ متقدمة.
—
قريباً ستضع الحرب أوزارها، ولن يكون أمامنا إلا أن ننتج ونصدر ونجتهد.
لقد تهنا كثيراً ونحن نتحارب ونتخاصم ونتدابر ونتباغض،
وآن الأوان أن نتحابّ ونتكاتف.
فالسودان وطنٌ يسع الجميع، فلنُحسن القول والفعل والعمل.
استووا يرحمكم الله.

