استراتيجة تمكين الشباب السوداني في الاقتصاد المعرفي
(Knowledge Economy)
بسم الله الرحمن الرحيم
(إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) البينة، الآية: ٧
فعلِّم ما استطعت لعلّ جيلا
سيأتي يُحدث العجب العجابا
(احمد شوقي)
بقلم بكري يوسف البر
في عالمٍ تتسارع فيه التغيّرات، لم يعد الاقتصاد قائماً على ما نملك من ثرواتٍ طبيعية فقط، وإنما على ما نُنتجه من معرفة وقدرةٍ على تحويل الفكرة إلى قيمة مضافة.
الاقتصاد المعرفي (Knowledge Economy) هو النظام الذي تصبح فيه الفكرة رأس المال الحقيقي، والمعلومة أهم من المادة الخام، والإبداع مصدر الثروة الجديد. إنه اقتصاد يعتمد على الذكاء البشري وعلى توظيف المعرفة لإنتاج فرصٍ للنمو والتطور.
وللسودان، رغم تعقيد أزماته، فرصة فريدة للدخول في هذا الميدان، إذ يمتلك طاقة بشرية هائلة من الشباب ووعياً متقداً رغم الظروف. إن تمكين هؤلاء الشباب من أدوات الاقتصاد المعرفي هو الطريق لتغيير الواقع، وتحويلهم من طالبي وظائف إلى صُنّاع أفكار ومبادرات، ومن منفذين إلى مبتكرين يقودون التنمية في مجالات الزراعة والتجارة والصناعة والخدمات.
الاقتصاد القائم على المعرفة لا يُقصي القطاعات التقليدية، وإنما يفتح أمامها آفاقاً جديدة. الزراعة يمكن أن تصبح أكثر إنتاجاً بفضل التقنيات الذكية والبيانات، والصناعة أكثر تنافسية حين تُبنى على البحث والتطوير، والتجارة أكثر اتساعاً عندما تُدار رقمياً وتستند إلى التسويق الحديث الذي يعرض المنتج السوداني للعالم بثقة و جودة.
حين تلتقي المعرفة بالإرادة، يتحوّل السودان من ساحة تحديات إلى ساحة فرص. إن الاستثمار في العقول الشابة هو الاستثمار الأصدق في المستقبل، وهو السبيل لبناء اقتصاد وطني حديث يقوده الابتكار وينهض بالإنتاج ويُعيد للوطن مكانته بين الأمم.
تبدأ ملامح الاستراتيجية بخلق بيئة تعليمية تزرع في الأجيال روح البحث والفضول، وتحفّز التفكير النقدي، لا التكرار و الحفظ.
الجامعات ينبغي أن تتحوّل إلى منصات ابتكار تربط المعرفة بالواقع، وتوجه البحوث نحو احتياجات الاقتصاد الوطني. كما يجب دعم برامج التدريب المهني والتقني التي تُعِدّ الشباب لاستخدام أدوات العصر: Digital Skills، والبرمجة، وريادة الأعمال الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الإنتاج والخدمات.
ويأتي دور الدولة في بناء البنية التحتية الرقمية وتحديث التشريعات لتواكب التحول الرقمي، مع تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الأفكار المبدعة من خلال حاضنات أعمال وطنية، و هنا يأتي دور اتحادات اصحاب العمل في جعل مثل هذه الأفكار منطلق لها في المساهمة بالنهضة لآمال و طموحات الشباب، و النأي عن العمل التقليدي و رتابة خططهم المعلبة، و ذلك بتبنِي لعدد من الشباب بالتمويل و التدريب علي الاقتصاد المعرفي، كنواه لجيل شبابي يخترق المستحيل و تطبيق فن الممكن في شبابنا القادر علي العطاء، ببراغماتية في التطبيق.
أما المجتمع المدني، فعليه أن يسهم في ترسيخ ثقافة العمل المنتج القائم على المعرفة، لا على انتظار الوظيفة، و يعمل علي تقليص الفوارق المجتمعية، و خلق طبقة وسطي منتجة و تساهم في تطور الاقتصاد و الاستقرار المجتمعي بعدالة.
إن هذه الاستراتيجية تستند إلى إيمان عميق بأن المعرفة هي المورد الذي لا ينضب، وأن عقول شبابنا هي الخزان الحقيقي لنهضة السودان. فحين يُستثمر في الإنسان، تُستعاد الثقة، وحين تُستعاد الثقة، يبدأ التغيير، في وطن نحرسه بالمعرفة، و ان نكون حداة نشر للوعي بالعمل المستقبلي لاجيالنا في زمن التكنولوجيا المتاحة، و استغلال المعرفة لنؤسس لنهضة تُبني بالعلم و ادواته بحثا عن معني أعمق للحياة و مقتضياتها الحديثة، لان شبابنا يستحقون اكثر من هذا العدم المتاح.
هكذا فقط يمكن أن ينهض السودان من جديد: بوعي، واقتصادٍ معرفي يربط بين التراث والحداثة، وبين الفكرة والعمل، وبين الإنسان والأرض بأفكار عالم ما بعد المعلومات. و تأكيد مبدأ الاقتصاد الاجتماعي الذي يُعلي قيم التضامن و التكافل، و من خلاله نعزز العمل الجماعي و نعكس فكرة الديوان و الضرا، و إضافة قيم اجتماعية في الافكار المستقبلية لاستمراريتها، كقيم من صميم المجتمع. و أن نستصحب معنا قيم الحوكمة الرشيدة من شفافية، و مساءلة، و عدالة، و مشاركة، و حكم القانون، لكل قطاعات المجتمع، بتفكير غير تقليدي. في تصميم و إرادة لبلوغ الأهداف.
If you can’t fly run
If you can’t run walk
If you can’t walk crawl,but by all means keep moving
هذه المبادرة دعوة مفتوحة لكل سوداني و سودانية للمساهمة في هذه الفكرة و جعلها واقعا نعيشه و النظر لما وراء المستقبل، بالعمل المثمر، لا عبر التظلمات و الشكاوي، و لكن عبر المبادرات و العمل، و حكومة تستوعب النصح للنهوض بالبلاد و اعادة الثقة في شبابنا كقاطرة تحمل الآمال لمستقبل مزهر.
نسأل الله التوفيق و السداد في هذا الطريق، خدمة صادقة الوطن و الأمة.
خلقنا الله فسجدنا له
و جعل العالم يهتف لنا
نحن الأوائل في كونه
و كل البشر اتو بعدنا
يا مجد كوش العظيم المجيد
من يكن في الوري مثلنا
و كنداكة تنسج ثوب المهابة
فخرا و عزا ليبقي لنا
(نشيد عَلم مملكة كوش النولية)

