السودان.. حين يستعيد صوته من بين الركام
د. الشاذلي عبداللطيف
لم يكن المشهد في مطار الخرطوم مجرّد زيارةٍ للقائد العام للقوات المسلحة، بل كان أشبه بعودة الروح إلى الجسد.
هناك، بين هدير الطائرات وعبق الغبار الذي حفظ رائحة الوطن، وقف الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان لا كمجرّد قائدٍ يتفقد موقعاً عسكرياً، بل كرمزٍ لدولةٍ تُعلن من جديد: أنها لا تُدار بالوصاية، ولا تُحكم بالوكالة، ولا تُباع بالسلام المزيّف.
في زمنٍ امتلأ فيه الصخب الدولي بالحديث عن “السلام”، جاء صوت البرهان ليعيد تعريف الكلمة:
ليس السلام أن نغلق دفاتر الحرب كيفما اتفق، بل أن نفتح دفاتر الكرامة لنكتب فيها من جديد أن السلام لا يكون بين الضحية وجلادها، ولا بين جيشٍ ومرتزقةٍ خانوا علم الوطن.
صوت الدولة لا صوت المليشيا
حين قال البرهان: “أعداء الشعب لم يقرأوا التاريخ لأنهم طارئون على السودان وأهله”، كان يعيد للأمة ذاكرةً حاولوا طمسها.
فالسودان الذي علّم غيره معنى الثورة لا يمكن أن يتعلّم منه أحد كيف يعيش.
وطنٌ وُلد من نيلٍ لا يجف، وتاريخٍ لا يُباع، وجيشٍ لا يعرف الانكسار.
لقد أراد الرجل أن يقول — بلغة الميدان لا المؤتمرات — إن السودان ليس كياناً هشّاً يُعاد تشكيله، بل هو مشروعٌ تاريخيٌّ باقٍ، مهما تبدّلت الأقنعة وتغيّرت العناوين.
معركة الوعي لا معركة البنادق
إن أخطر ما واجهه السودان لم يكن الرصاص، بل محاولات تشويه الوعي.
ولذلك جاءت كلمات القائد العام لتعيد المعنى قبل الموقف:
أن الحرب ليست فقط دفاعاً عن الأرض، بل عن ذاكرة الوطن وهويته.
وأن من يقاتل من أجل السودان لا يحتاج إلى وسيطٍ ولا إلى وصيٍّ، لأن الشرف الوطني لا يُفاوض عليه أحد.
فهذه الحرب — كما أرادها البرهان أن تُفهم — ليست معركةً ضد طغمةٍ متمرّدةٍ فحسب، بل هي معركة وعيٍ بين من يريدون أن يصنعوا وطناً، ومن يريدون أن يصنعوا منه غنيمة.
سلام العزّة لا سلام الاستجداء
حين قال البرهان إننا نرحّب بالسلام “المبني على الأسس الوطنية”، كان يرسم خريطة طريقٍ لدولةٍ تعرف أن التنازل عن المبادئ أول أبواب الهزيمة.
سلام السودان ليس وثيقةً تُوقّع في فندق، بل عهدٌ يُكتب في ضمير الشعب.
سلامٌ يُبنى على دماء الشهداء، لا على فتات الطاولات الدبلوماسية.
سلامٌ يليق بوطنٍ ما زال يؤمن أن كرامته هي أثمن ما يملك
إنّ ما قاله القائد العام لم يكن خطاباً حربياً، بل بيان دولةٍ تعيد ضبط إيقاعها في عالمٍ مضطرب.
وإذ يمد السودان يده لكل جهدٍ صادقٍ يسعى للسلام، فإنه يفعل ذلك من موقع الندّية لا التبعية، ومن منطلق المصلحة الوطنية لا الإملاء الخارجي.
فالدولة التي واجهت العواصف بثباتٍ تعرف جيداً كيف تبني السلام بالعقل لا بالضعف، وبالكرامة لا بالوصاية.
لقد قالها البرهان بلسان الوطن كله:
> “لن نسمح للمرتزقة أن يكون لهم دور في مستقبل السودان.”
وفي تلك العبارة وحدها — تتجلّى فلسفة الدولة وهي تستعيد صوتها من بين الركام.

