مجلس التنسيق السعودي السوداني( قراءة في الأبعاد الاقتصادية والسياسية بين الطموح والتنفيذ)
بقلم : احمد حسن الفادني
خلال اليوم ضجت المواقع الاسفرية عن نية المملكة العربية السعودية عن إنشاء مجلس تنسيقي بين المملكة و السودان حيث يشكل إعلان مجلس التنسيق السعودي السوداني وتكليف وزير الخارجية السعودي بالإشراف المباشر عليه خطوة محورية في مسار العلاقات بين البلدين خصوصا في ظل مرحلة حرجة يعيشها السودان سياسيا واقتصاديا ومرحلة إعادة تموضع استراتيجي إقليمي تسعى من خلالها المملكة إلى تعزيز نفوذها الاستثماري والسياسي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
وجاء أيضا في أخبار المواقع الاسفرية أن المشروعات المطروحة تقدر والتي يشرف عليها المجلس بنحو خمسين مليار دولار وهو رقم يعكس حجم الطموح وايضا يعكس حجم الرهان السعودي على استقرار السودان كمجال جيوسياسي واقتصادي حيوي للمصالح الخليجية والعربية.
ومن خلال هذا التمهيد يمكن أن نشخص الابعاد من إنشاء المجلس كالاتي :
أولا: البعد الاقتصادي: (السودان على مفترق الانتعاش أو الارتهان)
من الناحية الاقتصادية يأتي المجلس في وقت يعاني فيه السودان من انهيار البنية التحتية وتآكل الاحتياطي النقدي وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي بسبب حرب الكرامة، في المقابل تمتلك السعودية فائضا ماليا واستراتيجيات تنويع اقتصادي ضمن رؤية (السعودية 2030) تسعى من خلالها إلى الاستثمار في الأمن الغذائي والطاقة والمعادن والزراعة خارج حدودها ،و إطلاق مجلس التنسيق من منظور اقتصادي يحقق تقاطع مصالح واضح:
1. للسودان: يمثل فرصة لإعادة بناء مؤسساته الإنتاجية وجذب رؤوس أموال ضخمة توفر فرص عمل وتدعم العملة الوطنية.
2. للسعودية: يوفر مجالا استراتيجيا لتأمين إمدادات غذائية ومعدنية وخلق نفوذ اقتصادي طويل الأمد في منطقة ذات أهمية حيوية لأمنه القومي.
لكن الإشكال الجوهري لا يكمن في حجم التمويل وانما في طبيعة الإدارة والتنسيق وآلية التنفيذ، فالمشروعات السابقة بين الجانبين رغم كثرتها قد تتعثر بسبب ضعف هيكلة المؤسسات السودانية وغياب الشفافية ما يجعل من الإشراف السعودي المباشر محاولة لضمان الجدية والفعالية في التنفيذ.
ثانيا: البعد السياسي ( بين الشراكة والتأثير)
1. سياسيا يحمل تكليف وزير الخارجية السعودي بالإشراف المباشر دلالات عميقة فهو يمثل خط متابعة فنية و رسالة سياسية تؤكد أن السعودية تنظر للعلاقة مع السودان كجزء من هندسة توازنات إقليمية جديدة تشمل البحر الأحمر و القرن الإفريقي ومنطقة الساحل، فالسودان بالنسبة للمملكة ساحة استثمار وبوابة استراتيجية لتثبيت نفوذها في مواجهة محاور إقليمية أخرى (إيران، تركيا، وإثيوبيا) تسعى أيضا لبناء موطئ قدم في تلك الجغرافيا. أما من جهة السودان فإن القبول بهذا الإشراف يعكس توجها براغماتيا من القيادة السودانية التي تدرك أن البلاد بحاجة إلى دعم سياسي واقتصادي يعيد الثقة الدولية ويعزز شرعية مؤسسات الدولة في مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب، لكن في الوقت ذاته يحمل هذا الإشراف خطرا كامنا إذ قد يفسر داخليا كتنازل عن جزء من السيادة الاقتصادية لصالح جهة خارجية خاصة في حال غياب مشاركة مؤسسية سودانية فاعلة في صنع القرار داخل المجلس.
ثالثا: قراءة في الدوافع الخفية لإنشاء المجلس:
يمكن تفسير إنشاء مجلس التنسيق من زاويتين:
1. زاوية المصلحة السعودية: رغبة المملكة في تحويل السودان إلى منطقة نفوذ اقتصادي آمن يخدم أمنها الغذائي ويمكنها من تنويع مصادر الاستثمار بعيدا عن الأسواق التقليدية، السيطرة غير المباشرة على الموانئ والممرات الحيوية للبحر الأحمر بما يضمن أمن الملاحة وحماية المشاريع اللوجستية السعودية، وايجاد منصة مؤسسية تتيح إدارة الملفات السودانية بشكل مباشر دون المرور عبر التعقيدات البيروقراطية السودانية.
2. زاوية المصلحة السودانية: البحث عن شريك موثوق يمكنه ضخ تمويل حقيقي وليس وعودا خصوصا بعد تراجع الدعم الدولي وتعقيد المشهد السياسي و استقطاب غطاء سياسي إقليمي يوازن الضغوط الخارجية ويمنح السودان هامش تحرك في الساحة الدولية بجانب الاستفادة من الخبرة السعودية في الإدارة والاستثمار لتأطير مشاريع البنية التحتية والزراعة والطاقة ضمن رؤية واضحة وممرحلة.
رابعا: هل الصندوق الاستثماري خيار أجدى؟
السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه (هل من الأجدى إنشاء مجلس تنسيقي أم صندوق استثماري مشترك؟).
المجلس التنسيقي بطبيعته هيكل سياسي إداري يهدف إلى رسم السياسات ومتابعة التنفيذ عبر الأجهزة الحكومية، وميزته تكمن في المرونة السياسية والقدرة على تجاوز التعقيدات البيروقراطية، ولكن عيبه يكمن في غياب الطابع المؤسسي المالي المستقل مما قد يؤدي إلى بطء التمويل وصعوبة القياس والمساءلة.
أما الصندوق الاستثماري المشترك فيمثل كيانا اقتصاديا صرفا يخضع لحوكمة مالية مستقلة ويتيح تحويل الوعود إلى استثمارات قابلة للقياس، لكنه يحتاج إلى استقرار سياسي وقانوني وضمانات سيادية قد لا تتوافر حاليا في السودان، بالتالي يمكن النظر إلى مجلس التنسيق كمرحلة تمهيدية نحو إنشاء صندوق استثماري مستقبلا بشرط أن يدار المجلس وفق معايير شفافة ويشرك القطاع الخاص الحقيقي لا المؤسسات الشكلية.
خامسا: التحديات والمخاطر:
نجاح المجلس لن يتحقق إلا بتجاوز عدة عقبات و المتمثلة في:
1. غياب الهياكل المؤسسية السودانية القادرة على استيعاب التمويل وتنفيذه بكفاءة.
2. تضارب المصالح بين الأجهزة الرسمية وشبه الرسمية داخل السودان.
3. المخاوف من تسييس المشروعات الاقتصادية واستخدامها كورقة ضغط سياسي.
4. تحديات الأمن والاستقرار في المناطق المستهدفة بالمشروعات، خصوصا في ولايات دارفور وكردفان والبحر الأحمر.
سادسا: تشخيص واقعي الابعاد:
إن مجلس التنسيق السعودي السوداني هو اتفاق ثنائي و مؤشر لتحول استراتيجي في فهم العلاقات العربية الإفريقية حيث تنتقل من المساعدات المشروطة إلى الشراكات المنتجة، فالسودان إن أحسن إدارة هذه الفرصة، يمكنه تحويلها إلى رافعة تنموية تاريخية تعيد بناء اقتصاده الوطني وتدعم استقلال قراره.
أما السعودية فتكسب عبر هذا المجلس بوابة نفوذ اقتصادية وسياسية مستقرة في منطقة كانت تتسم لعقود بقبول وافر لجميع دول المنطقة.
لكن النجاح يتوقف على مدى وضوح الأدوار والقدرة على الفصل بين السياسي والاقتصادي وبناء آلية شفافة للحوكمة والمساءلة حتى لا يتحول المجلس إلى مجرد إطار دبلوماسي جديد بلا أثر حقيقي على أرض الواقع.
يعد إعلان مجلس التنسيق السعودي السوداني خطوة جريئة في زمن التحولات الإقليمية وامتحان لقدرة البلدين على تحويل النوايا إلى نتائج،
فإما أن يصبح المجلس منصة تكامل عربي إفريقي ناجحة تؤسس لشراكة تنموية حقيقية او يتحول إلى عنوان جديد للفشل البيروقراطي والهيمنة المقنعة.
الفرق بين الخيارين يكمن ببساطة في الإرادة السياسية والشفافية في التنفيذ.
(إرادة — شفافية)

