الصناعات الزراعية.. بوابة الاقتصاد السوداني إلى العالمية
بقلم مستشار : احمد حسن الفادني
لا يخفى على أحد ما يمتلكه السودان من ثروات زراعية هائلة تضعها تلك المقومات الطبيعية من بين أهم المناطق الواعدة في العالم الزراعي، إلا أن هذه الثروة ظلت لعقود حبيسة الإمكانات التقليدية المحدودة دون أن تتحول إلى صناعة حقيقية قادرة على دفع عجلة الاقتصاد وتوفير النقد الاجنبي و توفير فرص العمل ، فاليوم نحن أمام لحظة تاريخية يمكن أن تشكل نقطة تحول في مسار الاقتصاد السوداني إذا ما تم استغلال هذه الإمكانات عبر إنشاء مدن صناعية متكاملة تركز على الصناعات الزراعية بدعم من شركاء دوليين استراتيجيين.
# الممكنات.. لماذا السودان مؤهل لقيام صناعة زراعية متطورة؟
نحن نعرف تماما أن السودان ليس بلدا زراعيا عاديا فهو يمتلك أكثر من 200 مليون فمن صالحة للزراعة لا يستغل منها سوى جزء بسيط، حيث تتوفر فيه موارد مائية هائلة من النيل وأمطار ومياه جوفية ومناخ متنوع طوال العام وعمالة شابة متوفرة، هذه تعد المقومات الأساسية إذا أضفنا لها الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط أفريقيا بالعالم العربي و الذي يجعل من السودان سلة غذاء طبيعية يمكنها تلبية احتياجات المنطقة والعالم.
#المدن الصناعية المتكاملة.. حلم ينتظر التحقيق:
فكرة إنشاء مدن صناعية متخصصة في الصناعات الزراعية تعد ضرورة ملحة, فهذه المدن يجب أن تكون مجمعات متكاملة تبدأ من مراكز الأبحاث والتطوير و مرورا بوحدات التصنيع الغذائي وصولا إلى التغليف والتسويق ، ويمكن أن تكون هذه المدن نواة لشراكات دولية مربحة للجميع حيث يمكن لمصر أن تشارك بخبرتها في مجال الري والتعبئة وتركيا في التصنيع الغذائي والتسويق والصين في البنية التحتية والتكنولوجيا ، بينما يمكن لقطر والسعودية وصناديق التنمية الأفريقية والأوروبية تقديم التمويل اللازم وتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس إذا توفرت الإرادة و تتطورت التشريعات و السياسات.
#دور الدولة.. الميسر والمنظم والراعي
لا يمكن لهذا الحلم أن يتحقق دون دور فاعل وحوكمة رشيدة من الدولة فيجب أن تتحول الدولة من دور المراقب إلى دور الميسر والشريك الاستراتيجي ، وهذا يتطلب:
1. تسهيل الإجراءات: تبسيط عمليات الاستثمار وإصدار التراخيص وتوفير الأراضي والبنية التحتية الأساسية.
2. تشريعات جاذبة: إصدار قوانين استثمارية تحمي المستثمر وتضمن حقوقه مع حوافز ضريبية وجمركية.
3. تأهيل الكوادر: إنشاء معاهد متخصصة لتأهيل الكوادر السودانية في مجالات التصنيع الغذائي والجودة والتسويق.
4. الشراكات الذكية: التفاوض مع الدول والشركات العالمية لضمان نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية وليس مجرد استيراد خطوط إنتاج فقط.
5. ربط الزراعة بالصناعة: وضع سياسات واضحة لربط المزارعين بالمدن الصناعية لضمان توفير المواد الخام بجودة عالية وأسعار مستقرة.
# رؤية مستقبلية.. هذا هو السودان الذي نريد
إذا نجحنا في تحويل قطاع الصناعات الزراعية إلى قاطرة للنمو فسنشهد خلال عقد من الزمن أن شاء الله تعالى تحولا جذريا في الاقتصاد السوداني من حيث انخفاض في معدلات البطالة وارتفاع في الصادرات وتقليل فاتورة الاستيراد وارتفاع في مستوى معيشة المواطن. كما ستصبح هذه المدن الصناعية نقاط جذب للاستثمارات الخارجية المباشرة وستضع السودان على خريطة الاقتصادات الزراعية العالمية، فالفرصة أمامنا الآن والوقت ليس في صالحنا، الدول المنافسة تستثمر في تقنيات الزراعة المتطورة والأسواق تنتظر من يلبي احتياجاتها ، السودان لا ينافس فقط بموارده بل بموقعه وعلاقاته الدولية التي يمكن أن تصاغ في الشراكة مع مصر وتركيا والصين والتمويل القطري والسعودي ودعم صناديق التنمية كلها عناصر يمكن أن تشكل مزيجا ناجحا لو وجدت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة، الخيرات موجودة والفرص متاحة والشركاء مستعدون، فهل نكون نحن عند مستوى التحدي؟

