ماذا يعني اختيار الدوحة كمدينة مبدعة؟
محمد يوسف العركي
حملت الأنباء هذا الأسبوع اختيار العاصمة القطرية الدوحة كمدينة مبدعة لتكون المدينة رقم 247 ضمن شبكة المدن الإبداعية التابعة لليونسكو.
ظهر مفهوم المدن الإبداعية في العام 2004م، وكانت مدينة أدنبره في المملكة المتحدة أولى المدن الإبداعية. وتسلط شبكة اليونسكو الضوء على إبداع المدن في سبع مجالات هي: الحرف والفنون الشعبية، التصميم، الفيلم، فن الطبخ، الأدب، الفنون الإعلامية، والموسيقى. كما تعزز الشبكة التعاون بين المدن التي حددت الإبداع كعامل إستراتيجي للتنمية الحضرية المستدامة، وليس مجرد عنصر ترفيهي.
ولا تذكر المدن الإبداعية إلا ويأتي الحديث عن الاقتصاد الإبداعي، الذي يُعد منظومة تعتمد على المعارف والمهارات والابتكار لإنتاج السلع والخدمات ذات القيمة الثقافية والفنية. ولذلك يمكن القول إن هذه المدن تمثل منصات لتطبيق الاقتصاد الإبداعي عمليًا، بحيث يصبح الإبداع جزءًا من التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
المتابع للتنامي المتصل لمدينة الدوحة لا يستغرب اختيار اليونسكو لها؛ فمن خلال رؤية قطر 2030 استطاعت العاصمة القطرية أن تحقق مطلوبات اليونسكو عبر توفر العناصر السبعة المذكورة أعلاه، من خلال مواعين مختلفة حكومية وخاصة وأهلية.
لكن هذا الاختيار يلقي تحديًا مهمًا، حيث إن الانضمام للشبكة يعني أن تلتزم المدينة بتحويل الإبداع إلى رافعة اقتصادية عبر خلق وظائف، جذب الاستثمارات، وتطوير الصناعات الثقافية.
لذلك تبرز جملة من التحديات المطروحة نشير لبعض منها:
• الحفاظ على الهوية الثقافية وسط العولمة: الانفتاح على الشبكات العالمية قد يؤدي إلى هيمنة أنماط تصميم غربية، مما يهدد خصوصية الهوية الوطنية القطرية. المطلوب هو إيجاد توازن بين الأصالة والابتكار (وقد نجحت قطر في ذلك خلال تنظيم كأس العالم، خصوصًا في تصميم الملاعب).
• استدامة المشاريع الإبداعية: من السهل إطلاق مبادرة، لكن التحدي يكمن في تحويلها إلى برامج طويلة الأمد وليست موسمية، مع التأكيد على أن الإبداع يخدم التنمية المستدامة وليس مجرد الترويج السياحي. وهنا تبرز أهمية السياسات الثقافية الداعمة للابتكار (مثل مبادرة الأعوام الثقافية التي طورتها متاحف قطر)، وتساهم المؤسسة العامة للحي الثقافي كتارا كمنصة لا تفتر من الفعاليات الفنية والثقافية المحلية والعالمية.
• تعزيز المشاركة المجتمعية: إشراك المجتمع يمثل مفتاح النجاح، فحين يقود المجتمع هذه الأعمال تكتب لها الديمومة. المطلوب جعل التصميم والفن جزءًا من الحياة اليومية وليس حكرًا على المؤسسات الكبرى (فعالية “فريج الفن والتصميم” التي تنظمها وزارة الثقافة في درب الساعي مثال إيجابي وغيرها من الفعاليات الاخرى).
• التغير السريع في معايير الإبداع: فما يُعد مبتكرًا اليوم قد يصبح تقليديًا غدًا، مما يفرض ضغطًا على المؤسسات والمبدعين، ويستلزم التدريب المستمر (وغير التقليدي) للمبدعين القطريين.
وختاماً:
إن العاصمة القطرية الدوحة، بحراكها المستمر، مؤهلة للمضي قدمًا في وضع بصمة ذات أثر مختلف ضمن شبكة المدن الإبداعية العالمية، بما تمتلكه من مؤسسات ثقافية تجيد توزيع الأدوار في هارمونية ثقافية، وبما لها كذلك من بنية تحتية جعلتها قبلة للفعاليات العالمية الكبرى، (آخرها: استضافة القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية). لكن رغم ذلك، تظل التحديات حاضرة في جعل الدوحة مدينة إبداعية تحمل في وسمها ورسمها واسمها الأصالة والابتكار، وتوازن بين التجديد والاستدامة، في عالم تتغير فيه مفاهيم الإبداع بصورة مستمرة.

