الهوية في مواجهة الخوارزمية.. رؤية استشرافية
محمد يوسف العركي
الهوية هي البصمة الإنسانية التي تميز الفرد عن غيره، وتتكون من عناصر متعددة مثل اللغة، والدين، والعرق، والانتماء الاجتماعي، والوطني. وهي ليست نوعًا واحدًا، بل منظومة متشابكة من الهويات الفردية والاجتماعية والدينية والثقافية والوطنية، ترتبط ببعضها عبر حبل سري من القيم والسرديات المشتركة. فكما نجد الهوية الفردية التي تعكس الخصائص الشخصية التي تميز الفرد، مثل الاسم، تاريخ الميلاد، المعتقدات، والاهتمامات، يمكننا الإشارة في سياق المجتمعات إلى عدة أنواع من الهويات مثل الاجتماعية، والدينية، والثقافية، والوطنية.
وعلى امتداد رحلة الإنسانية، واجهت الهوية عدة تحديات، فكانت ما بين التطور الإيجابي والاندثار والتمازج، لتعيد كل أمة تشكيل هويتها وفق مرجعياتها ومعتقداتها. ولم تواجه الهوية تحديًا عظيمًا مثل التحدي الحالي في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد وسائل الإعلام تقليدية أحادية الاتجاه، بل أصبح المتلقي شريكًا أصيلًا في صناعة الحدث ونشره، ويؤثر ويتأثر بما حوله بصورة مباشرة.
هذا التحول لم يكن ليحدث لولا الثورة العظيمة في مجال الخوارزميات، والتي تُعد أحد أدوات الذكاء الاصطناعي، وهدفها الأساسي هو زيادة التفاعل من خلال عرض المحتوى الذي يُرجّح أن يجذب انتباه المستخدم. ولكل منصة من منصات التواصل الاجتماعي تقنية خاصة لتحقيق أهدافها عبر تطويع هذه الخوارزميات لجذب أكبر عدد من المتابعين. فمثلًا، منصة X (تويتر سابقًا) تستخدم خوارزمية هجينة بين الترتيب الزمني وخوارزمية الاهتمام، أما YouTube فخوارزميته تعتمد على الاقتراحات بناءً على سجل المشاهدة والبحث، ومنصة TikTok تعتمد على مدة المشاهدة والتفاعل، بينما يعمل Instagram على تفضيل المحتوى الذي يتفاعل معه المستخدم أكثر. أما خوارزمية Facebook (Meta) فتعمل وفق مبدأ معقد ومتطور يهدف إلى تخصيص المحتوى لكل مستخدم بناءً على اهتماماته وسلوكياته والتنبؤ بما قد يرغب فيه المتابع للمنصة.
ومع هذه الحلقة المعقدة والمتشابكة من الخوارزميات، هناك حقيقة مهمة جدًا يجب أخذها في الاعتبار، وهي أن الخوارزميات ليست حيادية بالكامل، لأنها تتأثر بالبيانات التي تُدرّب عليها، والأهداف التي تُصمم لتحقيقها، مثل زيادة التفاعل أو الربح، مما يجعلها تعكس تحيزات ثقافية وتجارية وحتى سياسية أحيانًا. ومن هنا يبرز التحدي الأكبر موضوع هذا المقال.
فمن أبرز التحديات التي تواجه الهوية في عصر الخوارزمية هو ذوبان الخصوصية والتشكيك في المعتقدات والثوابت من خلال توجيه خفي تحكمه خوارزميات لا تُراعي السياق القيمي والأخلاقي. كما أن هناك تحديًا آخر يتمثل في تآكل التنوع الثقافي، لأن المحتوى الموحد يطغى على الخصوصيات المحلية، ويؤدي إلى تهميش ما يُعرف بالهويات الهشة، لأن عمل الخوارزميات قائم على إبراز المحتوى الرائج. كذلك من التحديات أيضًا ضياع الحقائق والمسلمات التاريخية، لأن الخوارزميات لا تحكم بصحة أو بطلان السرديات التاريخية، بقدر ما تتعامل مع الكم في المحتوى والتفاعل معه. ومن التحديات التي تواجه الهوية أيضًا هي طغيان وهيمنة ثقافة معينة على بقية الثقافات الأخرى، مما يضعف التنوع الثقافي والاجتماعي، ويجعل الثقافات الأخرى شبه غائبة عن التفاعل الإنساني.
ولمواجهة هذه التحديات حتى تكون الهوية صامدة، علينا جميعًا القيام بأدوار مهمة للغاية، في أولها نشر الوعي والمعرفة بين الناس، وذلك بتنويرهم بكيفية عمل الخوارزميات، وعدم الأخذ بأن كل ما يُنشر هو الصحيح ولو كان رائجًا. كذلك يجب تشجيع ونشر المحتوى الذي يُعبّر عن الهوية المحلية، بلغتها ورموزها وسردياتها، وأيضًا التعاون بين المؤسسات الرسمية والشعبية والمنظمات الإقليمية المهتمة بشأن الهوية الاجتماعية والثقافية لإنتاج محتوى يعكس الهويات المتنوعة ويقاوم التوجيه الخوارزمي الأحادي المتعمد. كما ينبغي تشجيع المنصات العربية ذات المحتوى الهادف، وتطوير الأنظمة الرقمية العربية ذات الطبيعة المتصلة بالذكاء الاصطناعي، وتشجيع البحوث والدراسات في هذا الجانب، وتخصيص ورش عمل ومؤتمرات متخصصة لتصوغ مخرجات أكثر عمقًا من واقع تجارب الخبراء والباحثين.
arakidoha@yahoo.com

