الاستقلال الخداج… حينما سبق بناء الدولة بناء الأمة
محمد يوسف العركي
منذ أن تفتحت أعيننا على الدنيا كان صبيحة الأول من يناير من كل عام يوما مختلفا يضجُّ بالفرح؛ الشوارع تزدحم بالحناجر التي تهتف للاستقلال ومن صنعه.
لنعود عبر كاميرا المرحوم جاد الله جبارة لذلك الصباح من العام 1956 حيث ارتسمت في عقلنا اللا واعي تلك المشاهد والاشواق ترنو إلى العلم وهو يعانق السماء لأول مرة. كانت لحظةً بدت في ظاهرها فجراً لولادة أمة، واكتمالاً لمشهد طال انتظاره.
ثم لما انقضت نشوة البدايات وجد الشعب أن خلف هذا الضجيج الاحتفالي والنشوة العابرة مشهدا لا يجهر به ، لأنه كان ناقصاً في معناه، مشوهاً في جوهره. فالدولة أعلنت استقلالها السياسي، لكن الأمة لم تكن قد أعلنت نفسها بعد؛ كان ذلك “استقلالاً خداجاً” جرى في جنبات البرلمان وبين دهاليز السياسة، بينما ظل جسد الوطن مثقلاً بأسئلة الوجود المؤجلة التي لم تجد طريقاً للنقاش.
رمزية العلم: انفصال السياسي عن المجتمع
تكشف رمزية لحظة رفع العلم ما حاول التاريخ الرسمي تجاهله؛ فبينما كان رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري ووزير الخارجية محمد أحمد المحجوب يرفعان العلم وهما يرتديان زيّ المستعمر بياقاته المنضبطة، كانت حواء الطقطاقة، الفنانة الشعبية، تجيء مرتدية الثوب السوداني وقد طرزته بالعلم الجديد.
لقد كانت الدولة، متمثلة في نخبها، تتقمص شكل “الآخر” ومنطقه، بينما كانت الأمة – في وجدانها الشعبي – تعثر على صورتها الخاصة. لم تكن تلك صدفة، بل علامة مبكرة على انفصال المسار السياسي عن النبض الشعبي؛ حيث اعتلى أولئك المنصات ببروتوكولات الغريب (رغم وطنيتهم الوجدانية)، وبقيت الروح السودانية تتلمس طريقها في الهامش
نخب الطائفية وسؤال السلطة:
لقد توهم الجميع أن رفع العلم هو نهاية المطاف، بينما الحقيقة أن مأساة ما قبل الاستقلال كانت تطل برأسها؛ مأساة “عقم” الحركة الوطنية التي لم تتشكل ككتلة صلبة عابرة للمكونات، بل كاصطفافات حزبية نبتت في حواضن طائفية.
المنطق الاستعماري:
لقد استبطنت تلك النخب منطق “المستعمر” ذاته في التسلط والإدارة. فكان الواقع ما يلي:
1.شهوة الحكم: انصرفوا عن سؤال “كيف تُبنى الدولة؟” ليغرقوا في صراع محموم حول “من يملك الدولة؟”.
2. غياب المشروع: وُلدت أحزابُهم من رحم التراتبيات القديمة، فصارت السلطة لديهم غايةً لا وسيلة، والكرسي وطناً بدلاً من الوطن.
في تلك اللحظة المفصلية، هربوا من استحقاقات التأسيس؛ غاب العقل الجمعي عن تشريح الهوية، وتجاهلوا حقيقة أن التنوع الثقافي والإثني هو قلب السودان النابض لا مجرد أطراف منسية. لم يجرؤوا على وضع لبنات المواطنة، ولا تعريف عقيدة المؤسسة العسكرية، وهكذا وُلدت الدولة وهي تحمل في أحشائها بذور فنائها.
متلازمة السقوط ووأد الثورات:
لم تكن أزمة السودان يوماً في “الشارع” الذي خرج فرحاً في 56، وثائراً في أكتوبر وأبريل وديسمبر، بل في تلك “الغرف المغلقة” التي أجهضت كل حلم وطني. ظل المشهد يتكرر بذات الرتابة الفاجعة: شعبٌ يبذل الدم ليصنع التاريخ، ونخبٌ حزبية تتربص على الرصيف لتسرق الثمرة وتبيع المعنى في سوق النفوذ.
لقد أثبتت هذه النخب أنها لا تملك “نفساً ديمقراطياً”؛ فهي تضيق بوعي الشارع وتخشى استحقاقاته. لذا، لم تكن الانقلابات العسكرية مجرد انحراف، بل كانت نتيجة حتمية لعجز القوى المدنية عن إرساء قواعد لعب ناضجة، مما جعل الجيش يجد نفسه وصياً على دولة بلا بوصلة.
ديسمبر.. الطعنة الأخيرة والخزي السريالي:
ما حدث بعد ديسمبر 2019 كان الارتطام الأخير بالقاع. لقد قدموا نماذج شائهة للحكم، غلّبوا فيها غنائم المحاصصة على أشواق التغيير، وانشغلوا بوأد تطلعات الشارع الذي منحهم الشرعية.
وفي ختام هذا المشهد السريالي، بلغ الانحدار ذروته حين ارتضى ساسةٌ ادّعوا يوماً قيادة التنوير، أن يصبحوا “ظهيراً سياسياً” للميليشيا التي استباحت الأرض وشردت الشعب. إن أقسى صور الخزي السياسي تتجلى اليوم في تحول أولئك إلى وكلاء وعملاء لأجندات خارجية تضمر الشر للبلاد، ليبيعوا أنفسهم في سوق النخاسة السياسية مقابل أوهام السلطة، في مشهد ينسف كل قيم الوطنية والولاء للأرض التي غنى لها الشعب يوماً “اليوم نرفع راية استقلالنا”.
خاتمة:
مواجهة السؤال المؤجل
إن الحرب التي نعيشها اليوم هي “الانفجار الكبير” لأزمة التأسيس التي تدارينا خلفها يوم رفعنا العلم لأول مرة. نحن لا نشهد انهيار دولة كانت مستقرة، بل “انكشاف” دولة لم تكتمل يوماً، ونخبة لم تنتمِ يوماً لقضايا إنسانها.
إن الخروج من هذه الدائرة لن يكون عبر تسويات عابرة أو إعادة تدوير لذات الوجوه المأزومة، بل عبر مواجهتنا للسؤال الذي هربنا منه في 1956:
> من نحن؟ وكيف نعيش معاً في دولة تعكس مجتمعنا لا تستعيره؟
دون ذلك، سيظل كل استقلال ناقصاً، وكل ثورة لقمة سائغة في جوف نخبٍ لا تشبع من الخذلان.

