*ثلاثة أعوام في الظل… هل تحتمل مؤسساتنا ضوء الحقيقة في 2026؟*
محمد كمير
٢٤ ديسمبر ٢٠٢٥
عاشت المؤسسات السودانية ثلاثة أعوام قاسية من العزلة المؤسسية، أعوامًا غابت فيها الحوكمة والرقابة والشفافية، ليس كخلل عابر بل كواقع يومي تشكل وتكرّس تحت ضغط الحرب والاضطراب وضعف الدولة. خلال هذه الفترة انقطعت آليات المساءلة، وتراجعت وظيفة مجالس الادارات، وتلاشت الحدود بين الإدارة والملكية والقرار العام، فأصبحت المؤسسة تعمل بلا عين رقيبة ولا ميزان محاسبة، وكأنها كيان مغلق على ذاته لا علاقة له بالمجتمع ولا بالاقتصاد الوطني.
ونحن نترقب العام 2026، تبدو ملامح مشهد مألوف في الأفق، حيث ستشهد الأشهر الثلاثة الأولى احتفالات لبعض المؤسسات بما ستصفه بالنجاحات الإدارية والإنجازات الكبرى. ستُروى القصص، وتُعرض الصور، وتُذكر أرقام عامة وخطوط عريضة، وسيكون الهدف المعلن هو مشاركة الشعب الفرح والطمأنينة وبعث الأمل بعد سنوات من الألم. لكن الفرح الحقيقي لا يُبنى على الروايات وحدها، ولا تُصنع الثقة من الشعارات، فالمشاركة الصادقة تستدعي شيئًا واحدًا غائبًا منذ زمن: الشفافية.
إذا كانت تلك المؤسسات صادقة في الاحتفال، فإن أبسط حق للرأي العام هو الاطلاع على نتائجها المالية كما يطّلع على منصات الاحتفال. من حق المواطن أن يرى القوائم المالية، وأن يعرف الإيرادات والمصروفات، وأن يُكشف ما صُرف على الحوافز والنثريات والاجتماعات وحوافز مجالس الادارات والسفريات خلال العام، وأن يُفهم كيف أُدير المال العام أو المال المؤسسي في ظرف استثنائي بالغ الحساسية. في كل دول العالم، لا تُترك هذه البيانات في الظل، بل تُنشر التقارير المالية ليقوم المحللون الماليون والصحافة الاقتصادية والجهات المتخصصة بقراءة الأرقام وتحليلها وتقييم الأداء بعيدًا عن التجميل أو التهويل.
وفي التجارب الدولية الراسخة، لا تمتلك الدولة ولا الوزارات شركات تجارية بالمعنى التقليدي، بل تكون الشركات شركات مساهمة عامة مدرجة في البورصات، يستمثر فيها الجميع بدون احتكار وامتيازات ،وتخضع لشروط صارمة من الإفصاح والحوكمة والرقابة، وتفصل بوضوح بين الدور التنظيمي للدولة والدور التشغيلي للسوق. أما في واقعنا، فقد فقدت مؤسساتنا معظم مقومات الحوكمة، حتى أبسط أدواتها، إذ تحولت مجالس الإدارات إلى كيانات شكلية تسيطر عليها فئات محددة، فتلاشى دورها كآلية رقابة وتوازن، وانتفى معناها كمؤسسة تحمي المصلحة العامة وتراقب الإدارة التنفيذية.
لهذا، وبعد هذه السنوات الثلاث، لا يكفي أن نواصل الحديث عن الإصلاح بلغة عامة، بل نحتاج إلى إعادة تعريف الحوكمة والرقابة والشفافية داخل مؤسساتنا من الجذور. نحتاج إلى شجاعة الاعتراف قبل أي شيء، والاعتراف هنا ليس ضعفًا بل بداية التعافي، والقول الصريح إن مؤسساتنا ليست بخير، وإن ما جرى خلال سنوات الحرب لم يكن مجرد توقف إنتاج أو خسارة موارد، بل انهيار منظومة كاملة لإدارة القرار والمال والمساءلة.
وإذا استمر هذا الوضع إلى ما بعد الحرب دون إعادة بناء حقيقية لأدوات الحوكمة، فإن ما سيحدث يمكن التنبؤ به بوضوح. ستخرج مؤسسات مثقلة بالتشوهات الإدارية، وقراراتها ستظل أسيرة لمراكز نفوذ لا لمعايير مهنية، وستفقد قدرتها على جذب الاستثمار المحلي والأجنبي، لأن رأس المال لا يذهب إلى بيئة لا تُفصح ولا تُحاسَب. سيتباطأ التعافي الاقتصادي، وستتعاظم تكلفة إعادة الإعمار، وستبقى الثقة مفقودة بين الدولة والمجتمع، وبين المؤسسات والمستثمرين.
ما بعد الحرب ليس مجرد إعادة تشغيل، بل لحظة اختبار. إما أن نعيد بناء مؤسسات شفافة تخضع للرقابة وتؤمن بالإفصاح، أو سنعيد إنتاج الأزمة بأسماء جديدة واحتفالات أكبر، لكن دون اقتصاد قوي ولا استثمار مستدام ولا دولة قادرة على الوقوف من جديد.

