*الإستقلال حين يتجدد المعنى ويولد الوطن من جديد*
*كتبت / إيثار عبد الحميد*
في لحظات نادرة من تاريخ الشعوب لا يقاس الزمن بالأيام بل بما يرسخه من كرامة ومعنى يقف السودان اليوم مستدعيًا ذاكرته الوطنية لا من باب الحنين وحده بل من بوابة الفعل المتجدد والوعي المتراكم ففي التاسع عشر من ديسمبر من عام ألف وتسعمائة وخمسة وخمسين أعلن البرلمان السوداني بالإجماع قرار الإستقلال بقيادة الزعيم إسماعيل الأزهري ليكون ذلك الإعلان تتويجًا لنضال طويل خاضه شعب آمن بحقه في الحرية والسيادة وفي الأول من يناير من عام ألف وتسعمائة وستة وخمسين ارتفع علم السودان معلنًا ميلاد الدولة الوطنية المستقلة وبداية عهد جمهوري قائم على الإرادة الشعبية
اليوم ونحن نحتفل بالأول من يناير لا نكتفي باستعادة حدث تاريخي بل نعيش لحظة يتطابق فيها الإحساس بالاستقلال مع استعادة الوطن لذاته فالخرطوم عاصمة البلاد حرة آمنة وتعود المدن والولايات إلى حضن الدولة وتتراجع الفوضى أمام صلابة الإرادة الوطنية ليشعر السودانيون بأن السيادة لم تعد شعارًا بل واقعًا يتجسد في الأمن والطمأنينة وعودة الاعتبار للوطن
كيف يمكن وصف هذا الإحساس إنه ذلك الفرق العميق بين أن تكون في وطنك غريبًا وأن تكون فيه معززًا مكرمًا أن تمشي على أرضك وأنت مطمئن وأن ترى مدنك وولاياتك تعود إلى حضن الدولة واحدة تلو الأخرى هو إحساس يشبه البدايات الكبرى حين يدرك الإنسان أن الوطن ليس شعارًا بل ملجأ وكرامة وهوية
إن هذا الإحساس لا يشبه سواه فهو الفارق الجوهري بين الخوف والأمان وبين العيش تحت وطأة القلق والعيش في ظل دولة تحمي أبناءها وقد أدرك السودانيون اليوم معنى الطمأنينة حين يكون الأمان نابعًا من الوطن ذاته لا من قوة طارئة ولا من واقع مفروض
إنها فرصة متكررة لكنها ثمينة لبناء السودان كما يجب فرصة جيل جديد ليعيد تعريف علاقته بالوطن فهل يسطر هذا الجيل مولد شعب يدرك قيمة الوطن الملجأ وهل وعينا حقًا الفرق بين الإحساس بالأمان تحت راية الدولة وبين الخوف في ظل الفوضى
وجودك في وطنك معززًا مكرمًا معنى تغنّت به الكلمات وتوق إليه الوجدان وإستقر في الضمير الجمعي حلمًا لا يموت
حين قال *أونسة*..
*( عزيز أنت يا وطني .. برغم قساوة المحن )*
وبرغم ما أثقل الذاكرة من جراح
سيظل السودان أرض الخير والعزة
لا خيار للوطن لا بديل
فهو القدر الذي نختاره والمسار الذي نمضي فيه مهما طال الطريق
وها هي اللحظات تتجدد اليوم لا بوصفها ذكرى عابرة بل باعتبارها واقعًا حيًا يستعاد فيه المعنى الكامل للسيادة الوطنية ومع عودة بلادنا إلى حضن الدولة وانكسار مشاريع العبث التي استهدفت وحدتها تتوحد الذاكرة مع الحاضر ويشعر السودانيون بأن الاستقلال لم يعد حدثًا مؤرشفًا بل تجربة معاشة تتجلى في أمن المدن واستعادة الولايات وعودة هيبة الوطن
وعلى هذا الدرب نمضي بثبات لا نحيد حتى تحرير آخر شبر من أرض السودان الطاهرة أرض الصمود وسهول الرخاء وأرض العطاء الممتد من النيل إلى تخوم التاريخ حيث تتجسد قيم الخير في أهله وتثبت التجارب أن هذا الوطن وإن اشتدت عليه المحن لا ينكسر
فالسودان باق بإرادة شعبه عصي على السقوط متجدد بالحياة كلما ظن العابثون أنه وهن ومهما تنوعت وجوه العدوان وتبدلت أدواته فإن هذا الوطن ينهض في كل مرة أكثر وعيًا وأشد تمسكًا بحقه في الحرية والكرامة والسيادة .

