*حين يصبح الذهب وطنًا ماليًا: كيف أعادت الحرب تشكيل مفهوم الثروة في السودان*
محمد كمير
٣ يناير ٢٠٢٦
تعكس الرسوم البيانية لحركة الذهب خلال عام 2025 وخلال خمس سنوات مسارًا صاعدًا واضحًا، تسارعت وتيرته مع نهاية 2025 وبداية 2026، حيث تحرك السعر العالمي في اتجاه قمم تاريخية جديدة، مع تذبذبات قصيرة الأجل لكنها لم تكسر الاتجاه العام الصاعد. هذا السلوك السعري يؤكد أن الذهب لم يعد مجرد أداة تحوّط تقليدية، بل أصبح في هذه المرحلة أصلًا قياديًا في النظام المالي العالمي، مدفوعًا بتراجع الثقة في العملات، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، وعودة الذهب إلى مركز المحافظ الاستثمارية الكبرى جنبًا إلى جنب مع الفضة التي سجلت بدورها ارتفاعًا ملحوظًا في نهاية 2025، ما عزز الزخم النفسي والفعلي لسوق المعادن الثمينة ككل.
في السودان، لم يكن هذا الصعود العالمي حدثًا معزولًا، بل تفاعل معه الواقع الاقتصادي المحلي بشكل أعمق وأكثر مباشرة. خلال فترة الحرب، تحوّل الذهب عمليًا إلى مخزن للقيمة وبديل فعلي للدولار، ليس فقط لدى التجار بل لدى المواطنين العاديين. ومع تآكل الثقة في العملة المحلية وصعوبة الوصول إلى النقد الأجنبي، وجد الناس في الذهب وسيلة للحفاظ على مدخراتهم ونقل القيمة عبر الزمن والمكان. ويظهر ذلك جليًا في اتساع التداول داخل الأسواق المحلية، وارتفاع حجم التعاملات اليومية، وتحول الذهب من سلعة ادخارية موسمية إلى أداة تبادل وتسعير في بعض الأنشطة التجارية.
الأرقام المحلية تؤكد هذا التحول بوضوح. فسعر جرام الذهب عيار 21 في عطبرة بلغ اليوم نحو 429 ألف جنيه سوداني، مقارنة بنحو 381 ألف جنيه في 8 يناير 2025، أي زيادة كبيرة خلال فترة قصيرة نسبيًا، تعكس ليس فقط الارتفاع العالمي، بل أيضًا الطلب المحلي المتزايد على الذهب كأداة أمان مالي. هذه الزيادة لا يمكن قراءتها فقط من زاوية المضاربة، بل هي تعبير عن انتقال الذهب من الهامش إلى قلب النشاط الاقتصادي اليومي في السودان.
هذا الواقع يفرض على الدولة التفكير خارج الأطر التقليدية. بدل النظر إلى تداول الذهب الشعبي باعتباره نشاطًا غير منظم يجب تقييده، يمكن تحويله إلى فرصة استراتيجية. تسهيل القوانين المنظمة لتداول الذهب، وإدخال المواطن بشكل قانوني وآمن في هذا السوق، يمكن أن يخلق دورة اقتصادية جديدة، توسّع القاعدة الضريبية دون خنق النشاط، وتسمح للدولة بجمع بيانات دقيقة عن حجم التداول الحقيقي، بدل تركه في الظل. كما يفتح ذلك الباب أمام استثمارات جديدة مرتبطة بسلسلة القيمة للذهب، من التخزين، إلى النقل، إلى التأمين، وصولًا إلى الخدمات المالية المرتبطة به.
أحد أهم المجالات الواعدة في هذا السياق هو الاستثمار في حفظ وتأمين الذهب. فقد المواطنون جزءًا كبيرًا من ثقتهم في البنوك، خصوصًا بعد فقدان مدخرات وودائع في خزائن أمان بنكية خلال الحرب، دون أن تقدم المؤسسات المصرفية تعويضات واضحة أو حتى اعترافًا مؤسسيًا بحجم الضرر. إعادة بناء هذه الثقة ستكون صعبة وبطيئة، ما يخلق فراغًا يمكن أن تملأه شركات متخصصة في حفظ وتأمين الذهب، تعمل وفق نماذج حديثة، وتقدم ضمانات ضد مخاطر الحرب والكوارث، وتخضع لرقابة وتشريعات واضحة. هذا النوع من الاستثمار لا يحمي مدخرات المواطنين فقط، بل يخلق وظائف، ويجذب رؤوس أموال محلية ومغتربة، ويؤسس لقطاع جديد موازٍ للقطاع المصرفي التقليدي.
أما على مستوى التوقعات، فإن عام 2026 يبدو مرشحًا لاستمرار الزخم الصاعد للذهب، وإن بوتيرة قد تكون أكثر تذبذبًا. استمرار التوترات الجيوسياسية، وتباطؤ بعض الاقتصادات الكبرى، واتجاه البنوك المركزية إلى الاحتفاظ بالذهب ضمن احتياطاتها، كلها عوامل تدعم الأسعار. في المقابل، الارتفاع القوي الذي شهدته الفضة في نهاية 2025 يعزز سيناريو أن سوق المعادن الثمينة ككل يدخل مرحلة توسع، حيث غالبًا ما تقود الفضة الموجات التالية للذهب أو تضخم أثرها، ما ينعكس إيجابًا على شهية المستثمرين ويغذي الطلب المتبادل بين المعدنين.
في المحصلة، ما يحدث في السودان ليس مجرد انعكاس لسعر عالمي، بل تحول اقتصادي واجتماعي عميق، جعل الذهب لغة مشتركة بين السوق العالمي والواقع المحلي. التعامل الذكي مع هذا التحول، عبر سياسات مرنة واستثمارات مبتكرة، يمكن أن يحوّل الذهب من أداة نجاة فردية في زمن الحرب إلى ركيزة من ركائز التعافي وبناء الثقة في مرحلة ما بعد الحرب.

