مستقبل إعمار القطاع المصرفي في ظل التحديات ما بعد الحرب
د. مروة فؤاد قباني – خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقمي (2-2)
واجهت طلبات العملاء بسحب الأرصدة الأجنبية من حساباتهم ازدياد نشاط السوق الموازي وتحوله إلى المركز الحقيقي للسيولة والنقد الأجنبي، مما نتج عن ذلك تعطّل السياسات النقدية وشلل أدوات التحكم النقدي في سعر الصرف مقابل العملات، مع وجود نسبة كبيرة منها خارج القطاع المصرفي مما أدى لقرار استبدال العملة يناير 2024 لفئتي (500-1000) جنيه في الولايات الآمنة مع سياسات فتح الحسابات والايداعات مباشرة لضمان تحقيق الشمول المالي ونشر الأدوات المصرفية.
حيث ألزم البنك المركزي المصارف بإعادة تشغيل التطبيقات المصرفية لتقليل التداول النقدي، وقد بلغت نسبة التطبيقات العاملة 65% خلال العام الأول بعد الحرب من نسبة المصارف الكلية التي عاودت نشاطها. استقر عمل القطاع المصرفي في ولاية البحر الأحمر كعاصمة إدارية لغالبية المصارف، وتم نقل غرف البيانات من العاصمة إلى الولايات الآمنة وتشغيل الغرف البديلة لاستعادة بيانات العملاء، وتم إنشاء غرف بيانات سحابية خارجية ترفع بها بيانات عملاء المصارف لضمان استمرار الخدمات المصرفية عند حدوث الكوارث والطوارئ.
وقد قامت شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية الزراع التقني للبنك المركزي بتشغيل نظام وسيط Middleware كبديل للمحول القومي لتفعيل التحويلات بين المصارف عبر نظام الرقم البنكي الموحد IBAN للتحويلات بين المصارف السودانية في يوليو 2024 لحين استعادة عمل المحول القومي وتشغيل الصرافات الآلية ونقاط البيع لكل المصارف، من المقرر ذلك خلال الربع الأول من العام 2026.
في تلك الفترة، عملت البطاقات العالمية فيزا وماسترد كارد في عدد من المصارف بلغ عددها 8 مصارف كبيرة ساهمت في السحوبات خارج السودان عبر الحسابات بالنقد الأجنبي، وقد توقفت نسبة 25% من تلك المصارف وتم إلغاء عقود الخدمة مع الشركات العالمية بسبب التكلفة العالية للخدمة مع عدم وجود موارد للنقد الأجنبي خلال فترة الحرب.
عاود نظام التحويلات الأنية الإجمالية RTGS عمله بعد الحرب في الربع الثاني من العام 2023، مما ساعد القطاع المصرفي السوداني بمعاودة التحويلات الداخلية بين المصارف في الفروع العاملة بالعاصمة القومية والولايات. عمل نظام التحويلات الأنية الإجمالية كبديل لنظام المقاصة الإلكترونية الذي توقف مع اندلاع الحرب نسبة لتوقف الأنظمة المركزية بفرع بنك السودان بالعاصمة القومية، مما عطل عمل كثير من الشركات والمؤسسات التي تتعامل عبر نظام الشيكات.
وقد أعلن عن عودة نظام المقاصة الإلكترونية في بداية العام 2026 بعد الترتيبات الإدارية والفنية لإعادة تشغيل الأنظمة ومراجعة الأنظمة والقوانين والتشريعات التي تحمي المصارف والعملاء، وقد تم إجراء بعض التعديلات على تصميم الشيكات تتضمن رمز الاستجابة السريع QR code والرقم المتسلسل لنظام الشيكات MICR الذي يحتوي على معلومات (المصرف، الحساب، العملة).
هنالك تغيرات قد تمت على مستوى قيادة البنك المركزي أدت تلك السياسات إلى أمل التغيير والتعافي في إعادة بناء وتطوير القطاع المصرفي بعد فترة من التحديات الاقتصادية والسياسية. جهود التعافي تتضمن إصلاح السياسات الاقتصادية لتحسين بيئة الأعمال وتشجيع الاستثمار، وتطوير البنية التحتية لتحسين الخدمات المصرفية وتسهيل الوصول إليها، وتعزيز الرقابة المصرفية لزيادة استقرار القطاع وتقليل المخاطر، وتدريب الكوادر البشرية لتحسين كفاءة وفعالية الخدمات.
التحديات المستقبلية للقطاع المصرفي تتمثل في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، ومواكبة التكنولوجيا المالية والتكيف مع التغيرات السريعة، والامتثال للمعايير الدولية، وتعزيز الشفافية والمساءلة. فرص التعافي تكمن في الاستثمار في البنية التحتية للقطاع المصرفي مع مواكبة التطورات العالمية في الأنظمة وربطها مع الجهات ذات الصلة وتنفيذ التحول الرقمي في قطاع المصارف مع تحسين جودة الاتصالات في الولايات المختلفة لضمان توفر الخدمة 24/7 مع عدم التقييد بالزمان والمكان للحضور لصالات المصارف وتوفير المنتجات المصرفية بطرق إلكترونية حديثة.
أيضًا تعزيز العلاقات مع الشركاء الدوليين لتحسين الاستثمارات وفتح الاعتمادات وخلق علاقات مما يزيد من كفاءة عمل النظام المصرفي والثقة في التعامل مع القطاع المصرفي بشروط جاذبة وبيئة مهيأة للاستثمار عبر رؤية استراتيجية من البنك المركزي والمصارف التجارية تخدم رؤية تطوير القطاع المصرفي وتعافي القطاع المصرفي مما ينعكس على الاقتصاد السوداني ككل.

