*قياس الثقافة… من الإنجاز إلى سؤال الأثر*
محمد يوسف العركي
26ديسمبر 2025
لا يختلف اثنان على أن مؤشرات القياس هي لغة التخطيط الحديث فهي تمنحنا القدرة على قراءة الواقع واتخاذ القرار. وفي عالمٍ يلهث خلف الأرقام والمؤشرات السريعة، يبرز السؤال المهم: هل تستطيع أدوات القياس المعتادة أن تكشف الأثر الحقيقي للفعل الثقافي؟ هنا نعود إلى العبارة الأصولية: «معرفة الشيء فرعٌ عن تصوره». فقبل أن نتحدث عن قياس الثقافة وأدواته، علينا أن نحدد ما المقصود بالثقافة، وما الذي نريد قياسه حقًا: الإنجاز أم الأثر؟ وهل يمكن أن نقرأ الثقافة خارج عدسة التقارير السنوية؟ فالثقافة ليست نشاطًا موسميًا ولا ترفًا رمزيًا، بل هي مجموع القيم والمعاني التي تشكّل وعي المجتمع وهويته وتوجّه ذائقته. إنها عملية مستمرة من التشكّل، لا منتجًا نهائيًا يمكن حصره، لأن طبيعة الحياة والمجتمعات قائمة على الحراك والتجدد. أما التخطيط الثقافي، فهو فعل وعي قبل أن يكون فعلاً تنظيمياً، إنه الانتقال من العفوية إلى الرؤية، ومن ردّة الفعل إلى البعد الاستراتيجي والاستشراف. لا يقتصر على جدولة الفعاليات، بل يسعى لبناء مسارات طويلة الأمد تربط الفعل الثقافي بأسئلة المجتمع الكبرى: الهوية، التحول، والمستقبل وغيرها من الأسئلة المهمة. هنا تبرز أهمية أدوات القياس، لا لمعياريتها فقط، بل لفهم الأثر. غير أن الإشكال يبدأ حين يُختزل القياس فيما يمكن عده سريعًا، وتُستبعد الأسئلة التي تحتاج زمنًا لتظهر إجاباتها. فالثقافة لا تُقاس بالضوء المسلَّط على المنصات، بل بما يحدث في العمق: في الوعي والذائقة وطريقة طرح الأسئلة. وهذه لا تكتمل في عام ولا تنتهي بزمن رفع التقارير. المعتاد هو قياس عدد الفعاليات وحجم الحضور والصدى الإعلامي وهذه تمثل مؤشرات إنجاز لا أثر. فالإنجاز يُلتقط بالصورة، أما الأثر فهو مسار طويل يحتاج صبرًا وزمنًا. الإشكال ليس في القياس ذاته، بل في منطق القياس؛ حين نُخضع الثقافة لأدوات القطاعات السريعة، نحمّلها ما لا يشبه طبيعتها. الثقافة لا تعمل بمنطق الاستهلاك، بل بمنطق التراكم. الفعل الثقافي الحقيقي لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يزرع أسئلة تُنتج تحولات عميقة في الخطاب العام وخيارات الأفراد وقدرة المجتمع على التفاعل. هذه التحولات لا تظهر في سنة واحدة، وربما لا تُرى إلا حين ننظر إلى الوراء. لذلك، ينبغي أن تنتقل أدوات القياس من منطق الإنجاز إلى سؤال الأثر: ما الذي تغيّر في الوعي؟ وما الذي أصبح ممكنًا الآن ولم يكن ممكنًا سابقًا؟ قياس الثقافة يحتاج لأدوات تراكمية تراقب الاستمرار لا الكثافة، وتلتقط الأثر غير المباشر، وتفهم أن بعض النتائج لا تأتي من المشروع نفسه، بل مما يولده لاحقًا.وبالتالي تبرز ضرورة وجود مراكز متخصصة في الدراسات الثقافية، فهي الذاكرة التي تحتفظ بزمن الثقافة الطويل، والعقل الذي يقرأ ما لا تظهره التقارير، والمنصة التي تربط الفعل الثقافي بالتحليل والأثر بالمسار.
E-mail: arakidoha@yahoo.com
…نقلا عن صحيفة العرب القطرية…..

