هذا ما نحتاجه
( رؤية استراتيجية وطنية شاملة)
بقلم مستشار : احمد حسن الفادني
الآن وفي ظل التعقيدات السياسية والاقتصادية والتنموية التي تمر بها الدولة لم يعد كافيا الاكتفاء بالمعالجات الجزئية أو الحلول الظرفية قصيرة الأثر، ما نحتاجه الآن هو وبصورة عاجلة رؤية وطنية شاملة ومتكاملة تشكل الإطار المرجعي الأعلى لعمل مؤسسات الدولة وتوحد الجهود وتضبط الأولويات وتحول الموارد المتاحة إلى نتائج ملموسة قابلة للقياس والاستدامة.
إن جوهر أي نهضة حقيقية يبدأ من التنسيق المؤسسي العالي بين أجهزة الدولة المختلفة بحيث تعمل الوزارات والهيئات والولايات ضمن منظومة واحدة متجانسة لا كمراكز متفرقة للقرار وجزر معزولة، إن التنسيق المؤسسي لا يعني فقط تبادل المعلومات و العمل ظاهريا في اللجان المشتركة بين المؤسسات انما يشمل توحيد الأهداف وتكامل السياسات وربط الخطط القطاعية بخطة وطنية عليا تمنع الازدواجية وتقلل الهدر وتعظم الاستفادة من الموارد.
ولا يمكن لهذه الرؤية أن ترى النور دون تشريعات حديثة ومرنة متوائمة مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي ومواكبة لمتطلبات التنمية والاستثمار. فالتشريعات هي الضامن لاستمرارية السياسات وهي الأداة التي تحول الرؤى إلى التزامات قانونية وتوفر بيئة مؤسسية مستقرة تشجع على الإنتاج وتحد من الفوضى الإدارية وتضبط العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع.
ومن هنا تاتي أهمية تفعيل المسح الإحصائي الشامل كخطوة تأسيسية لا غنى عنها فلا تخطيط بلا بيانات ولا سياسات رشيدة بدون معرفة دقيقة بحجم الموارد وتوزيع السكان وطبيعة الأنشطة الاقتصادية ومستوى البنية التحتية وواقع الخدمات ، فإن غياب البيانات الموثوقة يقود حتما إلى قرارات مرتجلة بينما يتيح المسح الإحصائي والتحليل العلمي للمقدرات بناء خطط واقعية تستند إلى الأرقام لا الانطباعات ، وعلى ضوء هذه المعطيات يصبح من الضروري الانتقال إلى إعداد خطة استراتيجية وطنية طويلة المدى تقوم على رؤية واضحة وأهداف محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس على أن تقسم هذه الخطة إلى مراحل قصيرة ومتوسطة المدى بما يسهل عملية التنفيذ ويعزز المتابعة والرقابة ويتيح أيضا تصحيح المسار عند الحاجة دون الإخلال بالهدف الاستراتيجي العام.
إن تقسيم الخطة إلى مراحل زمنية واضحة يؤسس لثقافة جديدة في إدارة الدولة تقوم على المحاسبة والشفافية وربط الأداء بالنتائج، كما يتيح هذا النهج إشراك المجتمع والقطاع الخاص والشركاء الدوليين في عملية البناء ضمن أدوار واضحة ومسؤوليات محددة.
وفي ختام هذا الحديث ما نحتاجه الآن منهجا وطنيا متكاملا في التفكير والتخطيط والتنفيذ برؤية شاملة وتنسيق مؤسسي فعال وتشريعات مواكبة وبيانات دقيقة وخطة استراتيجية مرحلية واضحة، عندها فقط يمكن للدولة أن تنتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل ومن رد الفعل إلى الفعل المؤثر والتنمية المستدامة.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

