*حين يضيق أفق الاستثمار… لماذا لا تفتح الدولة بوابة الأصول الافتراضية؟*
محمد كمير
١٣ يناير ٢٠٢٦
خلال فترة الحرب، انكمش الأفق الاستثماري في السودان بصورة غير مسبوقة، وأصبحت حركة المال لدى الدولة وشركاتها، بل وحتى لدى الأفراد القادرين، تدور في مسارين شبه وحيدين: تصدير الذهب واستيراد البترول. هذا التركّز القسري لم يكن نتاج رؤية اقتصادية بقدر ما كان استجابة اضطرارية لواقع الحرب، لكنه في الوقت نفسه كشف هشاشة البنية الاستثمارية، واعتمادها على أنشطة محدودة لا تتيح المشاركة الواسعة للمواطن ولا تفتح آفاقًا حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد بعد توقف القتال.
في ظل هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: لماذا لا تفكر الدولة جديًا في إشراك المواطن في الاستثمار عبر أدوات حديثة وخارجة عن القوالب التقليدية، وعلى رأسها الأصول الافتراضية؟ فبدل أن يبقى الاستثمار حكرًا على الدولة أو دائرة ضيقة من الفاعلين، يمكن تصميم أدوات استثمارية رقمية تتيح للمواطن، ولو بمبالغ صغيرة، أن يكون شريكًا مباشرًا في الثروة الوطنية، لا مجرد متلقٍ لنتائجها أو متضرر من احتكارها.
الأصول الافتراضية هي تمثيلات رقمية للقيمة يمكن تداولها أو الاستثمار فيها عبر منصات إلكترونية منظمة، وغالبًا ما تكون مرتبطة بأصول حقيقية ملموسة مثل الذهب، البترول، الطاقة، الأراضي، أو المشاريع الإنتاجية. خطورة الفكرة لا تكمن في حداثتها، بل في تجاهلها، لأن هذه الأدوات لم تعد تجارب نظرية، بل أصبحت في دول كثيرة وسيلة لربط الاقتصاد الحقيقي بالاقتصاد الرقمي، وتوسيع قاعدة الممولين، وتحويل المدخرات الصغيرة إلى استثمارات منتجة.
من الأفكار الخارجة عن الصندوق في السياق السوداني أن تفكر الدولة في بيع الذهب للمواطن بشكل منظم، لا في صورة سبائك تقليدية فقط، بل عبر وحدات رقمية مغطاة بالذهب الحقيقي المخزن لدى جهة سيادية، يستطيع المواطن امتلاكها، تداولها، أو تحويلها لاحقًا إلى ذهب فعلي. بهذه الطريقة يتحول الذهب من مجرد سلعة تصديرية إلى أصل استثماري وطني، يشارك فيه المواطن بدل أن يبقى خارج الدائرة، ويصبح الذهب أداة استقرار مالي داخلي لا مجرد مورد للنقد الأجنبي.
وبالمثل، يمكن التفكير في بيع البترول أو مشتقاته عبر عقود مستقبلية مبسطة موجهة للمواطنين والشركات الصغيرة، بحيث يشتري المستثمر اليوم حقًا مستقبليًا في كمية من الوقود أو الطاقة بسعر محدد، ويتم تحويل هذه العقود إلى أصول افتراضية قابلة للتداول. هذا النموذج لا يوفر تمويلًا مسبقًا للدولة فحسب، بل يخلق سوقًا داخلية شفافة للطاقة، ويقلل من الصدمات السعرية، ويحوّل الاستيراد من عبء مالي إلى أداة استثمار وتمويل.
جدوى هذه الأفكار في الواقع الاستثماري السوداني بعد الحرب تبدو عالية إذا ما أُحسن تصميمها. فالثقة في النظام المصرفي التقليدي تضررت، والسيولة خرجت جزئيًا من القنوات الرسمية، بينما يبحث المواطن عن مخزن آمن للقيمة وفرصة تحميه من التضخم وتدهور العملة. الأصول الافتراضية المرتبطة بالذهب أو البترول أو الإنتاج الحقيقي يمكن أن تلعب هذا الدور، وتعيد جزءًا كبيرًا من الكتلة النقدية إلى فضاء منظم يخضع للرقابة والحوكمة.
تنظيم منصات استثمارية لدعم هذا النوع من الأصول لا يتطلب القفز في المجهول، بل يستدعي إطارًا تشريعيًا واضحًا، تشرف عليه جهة سيادية مستقلة، وتشارك فيه البنوك وشركات التقنية المالية والقطاع الخاص. هذه المنصات يمكن أن تضع معايير إفصاح صارمة، وتحدد طبيعة الأصول المغطية، وتضبط آليات التسعير والتداول، وتضمن حقوق المستثمرين، مع منح الدولة القدرة على المتابعة دون خنق الابتكار أو إقصاء المواطن.
وقد أشرت في مقالات سابقة إلى أفكار مثل العملة الرقمية الوطنية والجنيه الذهبي، باعتبارها أدوات يمكن أن تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والاقتصاد والدولة. هذه الطروحات يمكن ان محاولة جادة للخروج من أسر النموذج التقليدي الذي أثبت عجزه في أوقات الأزمات والحروب. العالم يتحرك بسرعة، والتطور لا ينتظر أحدًا، والاقتصادات التي لا تبتكر أدواتها ستجد نفسها خارج الزمن.
إن احتكار الاستثمار التقليدي من قبل الدولة، دون فتح المجال الحقيقي للمواطن والقطاع الخاص، سيولد نتائج غير محمودة، تبدأ بتعميق الفجوة الاقتصادية ولا تنتهي بتغذية اقتصاد الظل وفقدان الثقة. التفكير في بيع الذهب للمواطن، أو البترول بعقود مستقبلية، أو تحويل هذه الموارد إلى أصول افتراضية منظمة، قد يبدو خارج المألوف اليوم، لكنه قد يكون غدًا هو الطريق الأقصر لتغيير شكل الاقتصاد السوداني، وبناء اقتصاد تشاركي أكثر مرونة، يضع المواطن في قلب المعادلة بدل أن يتركه على الهامش .

