حين تغدو الأبواب الجانبية هي المعبر …بقي ليك بمبي
محمد يوسف العركي
تاريخ الثقافة السودانية ممتدٌّ بامتداد الحضارات التي تعاقبت على هذه الأرض المباركة، وظلّت روح تلك الحضارات حاضرة في الشعر والغناء والفنون والعادات. وبرغم الجهود الكبيرة التي بذلها المثقفون لإبراز هذا الإرث، وبرغم ما عُرف عن الإنسان السوداني من تميز حتى دون تعليم نظامي عالٍ، فإن الثقافة السودانية لم تحظَ بانتشار واسع في فترات الاستقرار النسبي. فبلدٌ قدّم الطيب صالح إلى قائمة أعظم الروائيين، ورفد الذاكرة العربية بشعراء كبار، بقيت ثقافته — على رحابتها — محدودة الصدى خارج نطاقها.
لكن الحرب، بقسوتها ومكابدتها، فتحت أبوابًا لم تُفتح من قبل. ففي عالم تحكمه الخوارزميات وتتحرك أذواقه عبر المنصات الذكية، وجدت الثقافة السودانية نفسها تتسلل إلى الخارج دون تخطيط، عبر الشتات الذي تحوّل فجأة إلى حاملٍ حيّ للهوية. فمنذ لحظة النزوح إلى مصر والخليج، خرج السوداني إلى العالم ومعه لغته اليومية، وإيقاع حياته، وموسيقاه، بصدقٍ وعفويةٍ كاملين؛ لا عبر المؤسسات الثقافية التقليدية، بل من خلال الهاتف المحمول والبث المباشر والفيديو القصير.
وما انتشر أولًا من الأغنية السودانية لم يكن يمثّل أعمدتها الراسخة أو تنوعها الجغرافي الهائل. الذي طفا على السطح كان الأخفّ: البداية قبل عقود عبر “المامبو السوداني”، ثم “اللّيله باللّيل”، وأخيرًا “بقي ليك بمبي”. هذه الثلاثية التي صعدت بلا تخطيط تحولت إلى دهليز جانبي دخل منه الجمهور العالمي إلى الموسيقى السودانية. أغنيات ليست من الصف الأول، لكنها خضعت لمنطق الخوارزمية: “ما يسهل مشاركته يصعد، وما يصعد يصبح ترندًا، وما يصبح ترندًا يفتح الطريق لما هو أعمق منه”.
هنا تتجلى المفارقة الجميلة: تعرّف العالم على الثقافة السودانية من باب صغير لا يقود مباشرة إلى قاعة “الإليازات السودانية” ولا إلى السلم الخماسي الذي صاغ ذائقة سودانية متفردة. لكنه بابٌ انفتح، وهذه فضيلته. فخلف تلك الأغنيات الخفيفة عالم غنائي عميق، وطبقات شعرية لم تبلغ الضوء بعد، وذاكرة موسيقية أوسع من أن تختصرها مقاطع قصيرة. لذلك لم يكن الانتشار المفاجئ ذروة الحكاية، بل بدايتها.
وفي مصر والسعودية وقطر — كمثال واضح — لعبت الجالية السودانية دورًا فريدًا. لم تنقل معها طعامها ولهجتها فحسب، بل حملت تفاصيل حياتها اليومية، ضحكها العفوي، ومشهدها الإنساني البسيط ثقافتها العميقة، لتصبح نافذة جديدة للمعرفة. ومع توسع المنصات وازدياد الطلب على المحتوى، ظهر السودانيون كمغنين، وصنّاع محتوى، ومقدمي برامج، ورواة قصص. هكذا تحوّل الشتات، دون قصد، إلى “وزارة ثقافة متنقلة”: تنتج بلا تمويل، وتنتشر بلا استراتيجية، لكنها تصل لأنها صادقة.
وبرغم جراح الحرب، فقد منحت الفن السوداني بُعدًا جديدًا. فالأغنيات التي خرجت من بين الرماد، والقصائد التي كُتبت على عجل وسط النزوح، والمنشورات التي توثق التعب اليومي… كلها صارت شهادات إنسانية شدّت انتباه الجمهور العربي والعالمي، وكشفت قدرة السوداني على صناعة الفرح رغم الألم. وهكذا أصبحت الشخصية السودانية مرئية، لا بفضل ماكينة تسويق، بل بفضل روح لا تشبه أحدًا.
وإذا كان الانتشار قد بدأ بأعمال خفيفة وبأبواب جانبية، فإن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالًا مدروسًا نحو عمقٍ أكبر. فالعالم اليوم أكثر استعدادًا من أي وقت مضى لاستقبال الأصوات الأصيلة والحكايات غير المستهلكة — وهذا بالضبط ما يملكه السودان. هنا تتجاور إيقاعات الغرب، ورقصات الشرق، ومردوم كردفان، وموسيقى النوبة، وتراث البجا، وأدب الوسط، لتشكّل معًا مشهدًا واحدًا هو “السودان الكبير”.
ما يلوح الآن ليس مجرد صعود أغنية، بل لحظة تاريخية نادرة: أن يتحوّل الشتات إلى جسر، والمنصات إلى مسرح، والسودان — بكل فسيفسائه — إلى قصة يرويها أبناؤه للعالم؛ قصة لا تُختزل في الحرب، بل تمتد إلى إنسانه، وإيقاعه، وابتسامته، وفنونه الممتدة من قمم دارفور إلى مرافئ الشرق.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

