اقتصاد ريادة الأعمال
( رؤية مستقبلية لتحويل السودان إلى قوة إنتاجية)
بقلم مستشار : أحمد حسن الفادني
في عالم تتصارع فيه النماذج الاقتصادية و بلد تتوفر فيه الموارد البشريه و الطبيعية تبرز ريادة الأعمال كأقوى سلاح لتحويل الدولة من مستهلكة إلى منتجة ومن معتمدة على الموارد إلى مصنعة للقيمة المضافة وفي السودان الذي تتناثر تحدياته وفرصه على حد سواء ، يمكن لمفهوم (اقتصاد ريادة الأعمال) أن يكون الخارطة الذكية للخروج من دوامة الاقتصاد الريعي وبناء نماذج إنتاجية مستدامة.
إذ لم يعد خافيا أن الثروة الحقيقية للأمم لم تعد تحت الأرض إنما في عقول شبابها وقدرتهم على الابتكار ومن هنا يتحول السؤال من (هل نملك موارد؟) إلى (كيف نبتكر حلولا؟) والإجابة تكمن في تمكين جيل جديد من الرواد القادرين على تحويل التحديات السودانية في (الزراعة و الطاقة و الخدمات المالية والصحة ) إلى فرص أعمال عالمية.
مشهد واعد: بذور التغيير قد زرعت:
رغم التحديات التنظيمية فإن المشهد الريادي السوداني يشهد نهضة ملحوظة تقودها مؤسسات وطنية أدركت مبكرا قواعد اللعبة الحديثة حيث تعد تعد مؤسسة جياد للابتكار وريادة الأعمال و مؤسسة 249 لريادة الأعمال نموذجين مشهودا لهما بالريادة، فقد تجاوزت هذه المؤسسات فكرة التدريب النظري إلى بناء منصات عملية متكاملة تقدم حزمة من المسرعات الاحترافية من خلال الإرشاد عبر خبراء محليين ودوليين والربط بشبكات التمويل الأولية، فهذا المنهج العلمي في احتضان الأفكار وتحويلها إلى شركات ناشئة قابلة للنمو يضع أساسا متينا لاقتصاد معرفي حقيقي.
ولكن يبقى السؤال المحوري( كيف يمكن تحويل هذه التجارب الناجحة ولكن المحدودة إلى سياسة اقتصادية كلية تتبناها الدولة لتصبح ريادة الأعمال رافعة للاقتصاد القومي؟
من المبادرة الفردية إلى الاستراتيجية الوطنية:
الرؤية المقترحة تحتاج إلى التحول المطلوب إلى شراكة جريئة بين القطاعين العام والخاص تقوم على ثلاثة محاور رئيسية:
1. التشريع الداعم: بناء الإطار الحامي والمحفز: لا تستطيع الأفكار الطموحة الطيران في فضاء تشريعي معتم هناك حاجة ملحة إلى :
– إصدار قانون خاص لريادة الأعمال والشركات الناشئة: يسهل إنشاء الشركة في 24 ساعة، وينظم تدفق استثمارات رأس المال الجريء والتمويل الجماعي ويوفر حماية قوية للملكية الفكرية.
– حزمة حوافز استثنائية: إعفاءات ضريبية لمدة طويلة تصل إلى 10 سنوات للشركات الناشئة في القطاعات الإنتاجية والرقمية وتخفيضات جمركية على استيراد التقنية والتجهيزات.
– تشريع المنشأة الريادية: كيان قانوني مرن يسمح للشباب بدخول الاقتصاد الرسمي بأقل إجراءات وأعباء مالية.
2. تفعيل المؤسسات الرائدة: من الداعم إلى الشريك الاستراتيجي :يجب أن تنتقل علاقة الدولة بمؤسسات مثل (جياد – 249) إلى مستوى أعلى:
– التمويل والتوسع: إنشاء صندوق وطني لتمويل الابتكار تدار محفظته الاستثمارية بشراكة بين البنك المركزي وهذه المؤسسات الخبيرة لضخ استثمارات مباشرة في الشركات الواعدة.
– توفير اسواق مضمونة: إلزام الجهات الحكومية والقطاع العام بتخصيص نسبة لا تقل عن 15% من مشترياتها (خاصة في التكنولوجيا و الاتصالات والخدمات) من منتجات الشركات الناشئة المعتمدة، مما يوفر تدفقات نقدية حيوية ويحفز الإنتاج المحلي.
– التكامل مع الأجندة الوطنية: توجيه جزء من جهود الاحتضان نحو مشاريع تحقق أهدافا قومية، مثل مشاريع التكنولوجيا الزراعية لتعزيز الأمن الغذائي أو حلول الطاقة المتجددة للمناطق الريفية.
3. بناء المنظومة الإيكولوجية المتكاملة: ريادة الأعمال ليست جزرا منعزلة فهي شبكة مترابطة تعمل على:
– ربط الجامعات بالأسواق: تحفيز جامعات السودان على إنشاء مسرعات أعمال داخلية وربط مناهجها بمتطلبات سوق العمل المستقبلية،د وتحويل الأبحاث الأكاديمية إلى شركات ناشئة.
– تأسيس منصة تمويلية: العمل على إنشاء سوق ثانوي أو بورصة نمو خاصة بالشركات الصغيرة والمتوسطة والنامية لتسهيل عملية جذب الاستثمارات الكبيرة وتوفير سيولة للمستثمرين الأوائل.
– برامج تحويل القطاع التقليدي: تقديم حاضنات أعمال متخصصة لأصحاب المشاريع الصغيرة القائمة لمساعدتهم على التحول الرقمي وتبني نماذج عمل قابلة للتوسع.
لحظة الحسم التاريخية:
إن اللحظة الراهنة تتطلب رؤية شجاعة من صناع القرار في السودان. النماذج الناجحة موجودة والطاقة البشرية متوفرة والإرادة المجتمعية واضحة فالمكون الغائب هو الإرادة السياسية المتمثلة في رؤية اقتصادية واضحة تضع ريادة الأعمال في صلب أولوياتها.، إن اقتصاد ريادة الأعما لابعد شعارا انما هو نموذج عملي للاقتصاد الإنتاجي المنشود وهو الطريق الأمثل لتحويل التحديات الديموغرافية إلى فرص ناجحة وموارد البلاد الطبيعية إلى سلع مصنعة عالية القيمة وطاقات الشباب من حالة البحث عن وظيفة إلى حالة توفير الوظائف.
الاستثمار في الرواد اليوم هو بناء لسودان الغد سودان منتج و مبدع وقادر على المنافسة في السوق العالمية ، فالسؤال الآن( هل نحن جاهزون لاغتنام هذه الفرصة التاريخية؟).

