المجموعات الريادية رافعة اقتصادية صناعية
بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي لم تعد ريادة الأعمال مجرد تنظير أو ترفا فكريا أو نشاطًا هامشيا انما تحولت إلى أحد المحركات الرئيسية للنمو الصناعي المستدام خصوصا في الدول الساعية لإعادة بناء قطاعتها الاقتصادية على أسس إنتاجية وقيم مضافة عالية وتأتي المجموعات الريادية اليوم كرافعة اقتصادية حقيقية قادرة على إحداث اختراق نوعي في بنية الصناعات التحويلية والصناعات التكميلية المغذية للقطاعات الصناعية الأخرى.
ريادة الأعمال الصناعية من المبادرة الفردية إلى المنظومة الإنتاجية:
تختلف ريادة الأعمال الصناعية عن النماذج الريادية التقليدية المرتكزة على الخدمات والتقنيات الرقمية إذ تقوم على الابتكار في الإنتاج وتحسين الكفاءة التشغيلية وتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية، وعندما تنتظم هذه المبادرات في مجموعات ريادية مترابطة تجمع بين الشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والمصانع المتخصصة فإنها تتحول إلى منظومة إنتاجية متكاملة، قادرة على سد الفجوات في سلاسل القيمة الصناعية.
الصناعات التحويلية قلب القيمة المضافة:
تلعب المجموعات الريادية دورا محوريا في الصناعات التحويلية عبر تحويل المواد الخام إلى منتجات نصف مصنعة أو تامة الصنع بما يرفع القيمة المضافة المحلية ويقلل الاعتماد على الواردات، فالمشروعات الريادية الصغيرة والمتوسطة حينما تعمل ضمن إطار تكاملي تستطيع أن تقدم حلولا مرنة وسريعة للصناعات الكبرى سواء في مكونات الإنتاج أو عمليات التعبئة أو المعالجة أو الصيانة الصناعية حيث تشير التجارب الدولية إلى أن أكثر من 60% من القيمة الصناعية في الاقتصادات الصاعدة تأتي من شبكات المشروعات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالمصانع الكبرى وهو ما يعكس الأهمية الاستراتيجية للمجموعات الريادية في تعزيز التنافسية الصناعية.
الصناعات التكميلية العمود الفقري لسلاسل الإمداد:
تعد الصناعات التكميلية والمغذية للصناعات الأخرى حجر الزاوية في بناء قاعدة صناعية متينة وتشمل هذه الصناعات إنتاج المدخلات الوسيطة وقطع الغيار والمواد شبه المصنعة والخدمات الصناعية المتخصصة، ومن هنا تتجلى قوة المجموعات الريادية في قدرتها على التخصص الدقيق وخفض التكاليف وتوفير حلول محلية بديلة للواردات بما يعزز مرونة الاقتصاد الوطني أمام الصدمات الخارجية.
الأهمية الاقتصادية والاجتماعية
1. اقتصاديا: تسهم المجموعات الريادية الصناعية في:
– رفع معدلات التشغيل وخلق فرص عمل نوعية ذات مهارات فنية وتقنية.
– توطين التكنولوجيا والمعرفة الصناعية.
– تنويع القاعدة الإنتاجية وزيادة الصادرات الصناعية.
– تعزيز التكامل بين القطاعين العام والخاص.
2. اجتماعيا فهي:
– تساهم في بناء طبقة منتجة من رواد الأعمال الصناعيين .
– تحد من الهجرة الداخلية والخارجية عبر توفير فرص اقتصادية محلية مستقرة.
دور الدولة والقطاع الخاص من الرعاية إلى الشراكة:
يتطلب تعظيم أثر المجموعات الريادية الصناعية تحولا في دور الدولة من مجرد جهة تنظيمية إلى شريك محفز عبر سياسات صناعية ذكية تشمل: تسهيل التمويل وتحسين بيئة الأعمال و توفير البنية التحتية الصناعية وربط البحث العلمي باحتياجات الصناعة، وفي المقابل يقع على عاتق القطاع الخاص دور محوري في نقل الخبرات وبناء سلاسل إمداد محلية والاستثمار في الشركات الريادية الواعدة.
استشراف المستقبل و سيناريوهات النمو والتحول:
في حال تبني الدولة والقطاع الخاص رؤية استراتيجية واضحة لدعم المجموعات الريادية الصناعية يمكن خلال عقد واحد تحقيق:
1. زيادة ملحوظة في مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي.
2. خفض فاتورة الاستيراد الصناعي بنسبة معتبرة عبر الإحلال المحلي.
3. نشوء مدن صناعية متخصصة قائمة على التجمعات الريادية.
4. انتقال الاقتصاد من نمط تصدير المواد الخام إلى تصدير المنتجات الصناعية ذات القيمة العالية.
و ختام المقال يمكننا أن نقول إن المجموعات الريادية لا تعتبر مجرد وحدات إنتاج صغيرة انما هي نواة لتحول صناعي شامل ورافعة اقتصادية قادرة على إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد الوطني، والاستثمار فيها اليوم هو استثمار في مستقبل الصناعة والسيادة الاقتصادية والتنمية المستدامة القائمة على الإنتاج والمعرفة.

