إيثار عبد الحميد
المرأة السودانية النجاة الصامتة وسط الإنهيار
في كل حربٍ تقاس الخسائر بالأرقام والخرائط بعدد الضحايا وبحجم الدمار لكن ما لا يقاس بسهولةٍ هو ذلك الجهد الصامت الذي يمنع المجتمع من الانهيار الكامل في السودان غالبًا ما كانت هذه المهمة من نصيب المرأة لا بوصفها بطلةً دعائيةً ولا ضحيةً تختزل في الألم بل كفاعلٍ مركزيٍ يتحرك بين الفقد والاستمرار وبين الرعاية والمقاومة وبين الذاكرة والواقع
كثيرًا ما يقدم حضور المرأة في سياق النزاعات بوصفه حضورًا هشًا مرتبطًا بالمعاناة فقط غير أن التجربة السودانية تكشف دورًا أكثر تعقيدًا وعمقًا فالمرأة لم تكن مجرد متلقٍ للأذى بل طرفًا يوميًا في منع تفكك الحياة أعادت تنظيم البيت حين غاب الأمان وأعادت تعريف الأسرة حين غاب المعيل وحملت على عاتقها اقتصادًا صغيرًا غير مرئيٍ لكنه حاسمٌ اقتصاد البقاء الذي يتجلى في توفير الطعام واستمرار التعليم وحماية ما تبقى من الاستقرار
وحين تتعرض الدول للاهتزاز تصبح الذاكرة مهددةً مثل الأرض وهنا تتقدم المرأة السودانية بوصفها حاملةً للذاكرة اليومية فهي التي تحفظ اللغة والطقوس والحكايات وطرق العيش الصغيرة التي تبقي المجتمع متماسكًا وفي ظل غياب المؤسسات أو تراجعها تتحول المرأة إلى مؤسسةٍ بحد ذاتها تحفظ ما تبقى من العادات وتعيد إنتاجها في ظروفٍ استثنائيةٍ لتمنح الأجيال الجديدة شعورًا ولو هشًا بالاستمرارية والانتماء
ولا يكتب كثيرًا عن العمل غير المرئي الذي تقوم به النساء في أوقات النزاع ذلك العمل غير المدفوع وغير المعترف به والذي يشكل العمود الفقري للحياة اليومية التمريض غير الرسمي التعليم المنزلي الدعم النفسي وإدارة الأزمات الصغيرة المتكررة كلها أدوارٌ أدتها المرأة السودانية حين انهارت الشبكات الرسمية هذا الجهد لم يظهر في التقارير لكنه كان شرطًا أساسيًا لبقاء المجتمع واقفًا على قدميه ..
ورغم هذا الدور الجوهري لا تزال المرأة السودانية بعيدةً عن مواقع اتخاذ القرار خاصةً في لحظات التفاوض وإعادة التخطيط للمستقبل والمفارقة أن من حملت عبء النجاة لا تمنح غالبًا حق المشاركة في رسم ما بعد الحرب هنا يبرز سؤالٌ أخلاقيٌ وسياسيٌ عميقٌ كيف يمكن لمجتمعٍ أن يتعافى وهو يقصي من حافظ على تماسكه في أحلك الظروف
إن الحديث عن مستقبل السودان لا يمكن أن يكون جادًا دون إعادة تعريف دور المرأة لا بوصفها ملفًا اجتماعيًا أو قضيةً هامشيةً بل شريكًا أصيلًا في إعادة بناء المعنى والثقة والدولة نفسها فإعادة الإعمار ليست هندسة حجرٍ فقط بل هندسة علاقاتٍ والمرأة بحكم موقعها في قلب الحياة اليومية تملك معرفةً عميقةً بتصدعات المجتمع وسبل رأبها ..
ليست المرأة السودانية استثناءً في التاريخ الإنساني لكنها اليوم مثالٌ واضحٌ على قوةٍ لا تحب الضجيج قوةٌ تعرف أن البقاء لا يكون دائمًا بالمواجهة المباشرة بل أحيانًا بالصبر وبإعادة ترتيب العالم قطعةً قطعةً في السودان الراهن قد لا تكون المرأة في الواجهة لكنها بالتأكيد في العمق تحرس الحياة ريثما يجد الوطن طريقه إلى نفسه من جديد .

