إيثار عبد الحميد
عـن السـودان الـذي نـستحق
لقد وهبتنا الأقدار رغم قسوة المحنة فرصة تاريخية نادرة للبدء من جديد فرصة قد لا تتكرر لتصحيح مسار استمر لعقود في حلقة مفرغة من المركزية الخانقة التي اختزلت وطناً بحجم قارة في بضعة شوارع ومؤسسات في الخرطوم اليوم ونحن نتنفس الصعداء مع بوادر الاستقرار وعودة الحياة تدريجياً لم يعد السؤال: متى نعود للخرطوم؟ بل السؤال الأهم: أي سودان سنبني لكي لا نعود لنقطة الصفر مرة أخرى؟
الهامش ليس مشكلة بل هو الحل
لسنوات طوال نُظر للأقاليم كعبء أمني أو مجرد خزان للموارد الخام التي تُشحن لتُستهلك في المركز لكن التجربة القاسية أثبتت أن الأقاليم هي “صمام الأمان” الحقيقي حين اهتز المركز احتضنت الولايات ملايين السودانيين وأثبتت قدرتها على الإدارة الذاتية والتكافل الاجتماعي إن إعادة الاعتبار للأقاليم ثقافياً ومعرفياً وتنموياً ليست “منحة” من أحد بل هي ضرورة وجودية للدولة إن اللامركزية اليوم يجب أن تتحول من نصوص ورقية إلى واقع معاش عبر توطين الخدمات الأساسية والصناعات التحويلية في مناطق الإنتاج ليرتبط المواطن بأرضه عاطفياً وتنموياً ، يتجسد هذا الشعور في استقرار الفرد وكرامته وازدهاره الشخصي أن يلمس سيادة القانون وتساوي الفرص مما يولد لديه شعوراً بالمسؤولية تجاه الحفاظ على مكتسبات هذا الوطن …
هل ما زالت الخرطوم مركزاً ؟
علينا أن نتحلى بالشجاعة لنعترف بأن مفهوم “المركز الواحد” قد انتهى بغير رجعة السودان الجديد يجب أن يقوم على فكرة “المراكز المتعددة” حيث تكون كل ولاية مركزاً نوعياً في مجال ما زراعياً أو تعدينياً أو سياحياً أو تجارياً إن تعزيز التواصل البيني بين الولايات بعيداً عن المرور الإجباري بالخرطوم هو ما سيخلق نسيجاً اقتصادياً واجتماعياً عصياً على التفكك ..
معركة النفوس والنزاهة
إن الخوف الحقيقي اليوم ليس من نقص الموارد بل من عودة “فيروسات” الماضي الفساد المؤسسي والإستغلال والجشع الذي يطل برأسه مع كل إستقرار جديد إن الحرب التي تجرعنا مرارتها لثلاث سنوات لم تكن حرباً على الأرض فقط بل كانت امتحاناً للضمير الوطني فإذا لم تهذب هذه المعاناة نفوسنا وتجعلنا نترفع عن استغلال بعضنا البعض في الأسعار والخدمات فإننا نكون قد أضعنا أبهظ الأثمان دون تعلم الدرس
سطر جديد في دفتر الانتماء
فالوطنية ليست شعارات ترفع بل هي “فعل عمار” الانتماء الذي نحتاجه اليوم هو الانتماء الذي يجعل الموظف يخاف على مال الدولة كما يخاف على ماله والتاجر يرحم المستهلك ليبقى الوطن والمواطن قوياً نحن في بداية جديدة تماماً تتطلب عقداً اجتماعياً جديداً يقدس العمل ويحارب المحسوبية ويجعل من كرامة الإنسان السوداني في قريته ومدينته البعيدة أولوية قصوى
إننا لا نكتب اليوم مجرد مقال بل نرسم خارطة طريق لواقع نعيشه السودان الآن يمتلك فرصة ذهبية لإعادة صياغة تجربته الوطنية على أسس العدالة والشفافية وتوزيع الثروة والقرار دعونا لا نعود إلى “عاداتنا القديمة” التي أوردتنا المهالك بل لنجعل من هذا الاستقرار ركيزة لنهضة حقيقية تحميها المؤسسات القوية والنفوس التي هذبتها التجربة ..
الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه بل هو كيان نعيش ” به ولأجله ” ..

