تقّييم فعالية سياسات المصارف السودانية في تحديد المستفيد الحقيقي في ظل الواقع الراهن
أصبح تحديد المستفيد الحقيقي (Ultimate Beneficial Owner – UBO) أحد الادوات الأساسية في منظومة الالتزام المصرفي ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ولم يعد يُنظر إليه كإجراء شكلي لاستيفاء متطلبات رقابية فقط، فتقييم فعالية سياسات وإجراءات المصارف السودانية في هذا المجال يجب أن يتجاوز سؤال هل توجد سياسة؟ إلى سؤال أكثر عمقاً، هل هذه السياسات تعمل فعلياً؟ خاصة في ظل الوضع الراهن في السودان وما يفرضه من تحديات استثنائية.
من وجهة نظري، تعيش المصارف السودانية واقعاً معقداً عند تطبيق متطلبات تحديد المستفيد الحقيقي، يتمثل في ضعف أو غياب السجلات المحدثة، وتعطل بعض المؤسسات الرسمية، إضافة إلى ارتفاع المخاطر الناتجة عن النزاع وعدم الاستقرار الاقتصادي، لذلك أن استخدام مؤشرات الأداء (KPIs) يمثل أداة عملية وموضوعية لقياس الفعالية الحقيقية للسياسات، بعيداً عن التقييم النظري أو الشكلي.
ومن أبرز مؤشرات الأداء التي يمكن الاعتماد عليها، نسبة حسابات الشركات التي تم تحديد المستفيد الحقيقي لها بشكل كامل وموثق مقارنة بإجمالي حسابات الشركات. فهذا المؤشر يعكس مباشرة قدرة المصرف على فهم هياكل الملكية والسيطرة، كما يكشف عن مدى كفاءة إجراءات العناية الواجبة المطبقة، وانخفاض هذه النسبة قد يشير إلى ثغرات إجرائية يجب التعامل معها، وليس فقط إلى عدم تعاون العملاء.
كذلك أرى، أن متوسط الزمن اللازم لاستكمال عملية تحديد المستفيد الحقيقي يعد مؤشراً مهماً لقياس كفاءة الإجراءات، ففي ظل الوضع الراهن في السودان قد لا يكون التأخير دائماً نتيجة إهمال، بل أحياناً نتيجة الاعتماد على متطلبات تحقق يصعب تحقيقها عملياً. لذلك المصارف الأكثر نضجاً هي التي نجحت في تحقيق توازن بين متطلبات الالتزام والواقعية التشغيلية، دون الإخلال بجوهر المعايير.
برأيي، فإن عدد الحالات التي يتم تصعيدها لإجراءات العناية الواجبة المعززة (EDD) بسبب تعقيد الهياكل أو عدم وضوح المستفيد الحقيقي يعد مؤشراً إيجابياً إذا ما صاحبه تحليل مهني وتوثيق سليم للقرارات، وانخفاض هذا المؤشر بشكل غير مبرر قد يعكس ثقافة تجنب المخاطر أكثر من كونه دليلاً على انخفاضها فعلياً.
ولا يقل أهمية عن ذلك مؤشر تحديث بيانات المستفيد الحقيقي خصوصا في ظل التغيرات السريعة التي تشهدها البيئة الاقتصادية السودانية نتيجة النزوح، والهجرة، وإعادة تشكيل المصالح التجارية، فإن الاكتفاء ببيانات قديمة يشكل خطراً حقيقياً على المصرف. لذلك برأي فأن ربط تحديث البيانات بأحداث محفزة، مثل التغير في نمط العمليات أو الإدارة، يعد ممارسة أكثر فاعلية من الاعتماد على التحديث الدوري فقط.
من وجهة نظري، في ظل الوضع الراهن في السودان فأن فعالية سياسات تحديد المستفيد الحقيقي لا تقاس بالكمال أو التوافق التام مع المعايير الدولية في كل التفاصيل، بل بمدى قدرة المصارف على إدارة المخاطر بشكل مرن وقائم على الأولويات، مع توثيق القرارات واستخدام أدوات تحقق بديلة عند الحاجة وتبني مؤشرات أداء واضحة، ومراجعتها بشكل دوري يمثل خطوة جوهرية للانتقال من الالتزام الشكلي إلى الالتزام الفعّال، وبناء قطاع مصرفي أكثر صموداً وقدرة على استعادة الثقة محلياً ودولياً.

