الصادرات الزراعية السودانية (الفرص والتحديات)
قراءة اقتصادية تشخيصية في معادلة البقاء والتحول
بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني
في لحظة يتراجع فيها الاقتصاد السوداني تحت وطأة اختلالات هيكلية عميقة تظهر الصادرات الزراعية بوصفها آخر خطوط الدفاع عن استقرار ميزان المدفوعات في الدولة ومصدرا حقيقيا لاستعادة عافية الاقتصاد الإنتاجي، غير أن السؤال الجوهري هل نحن نحسن إدارة هذه الموارد داخل منظومة تصديرية حديثة قادرة على المنافسة؟، فالسودان يمتلك ميزة نسبية نادرة أراض واسعة تنوعا مناخيا خبرات تراكمية في إنتاج السمسم والصمغ العربي والفول السوداني والقطن والثروة الحيوانية لكنه في المقابل يعاني من فجوة بين الإمكانات النظرية والأداء الفعلي في الأسواق العالمية، وهنا تتجلى الحاجة إلى تحليل اقتصادي تشخيصي يضع اليد على مواضع الخلل ويقترح مسارا عمليا للتحول.
أولا: مفارقة الوفرة و العائد الضعيف:
رغم المكانة المتقدمة عالميا في إنتاج الصمغ العربي حيث يعد السودان من أهم مورديه إلى أسواق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ولكن للاسف ليس عن طريقه مباشرة وايضا إن العائدات المتحققة لا تعكس القيمة الكامنة في هذه السلعة الاستراتيجية، فالأمر ذاته ينطبق على السمسم واللحوم الموجهة إلى أسواق الخليج و شمال افريقيا، فالمشكلة هنا لا تتمثل في الإنتاج الكمي انما في غياب التحول نحو سلاسل قيمة متكاملة، فالسودان يصدر خاما بينما تستحوذ الدول الأخرى على القيمة المضافة عبر التصنيع والتعبئة والعلامات التجارية، هذه تمثل مفارقة من خلال وفرة الموارد مقابل محدودية العائد و التي تعد جوهر الأزمة الحقيقة الصادرات الزراعية السودانية.
ثانيا: تشخيص التحديات من منظور اقتصادي هيكلي:
1. اختلال سلاسل القيمة: حيث تعمل سلاسل الإنتاج والتصدير بصورة مجزأة:
– المنتج يعمل منفصلا عن المصدر.
– المصدر يفتقر لأدوات تمويل مستقرة.
– ضعف التكامل مع قطاع التصنيع.
فتكون النتيجة هي ارتفاع التكلفة الكليةوانخفاض القدرة التنافسية.
2. التكاليف اللوجستية تفقد الميزة السعرية بارتفاع تكاليف النقل الداخلي ومحدودية التخزين المبرد وتعقيد الإجراءات في الموانئ و المعابر تجعل تكاليف الطن المصدر أعلى من دول منافسة في الإقليم.
وهنا تتحول الميزة النسبية (انخفاض تكلفة الإنتاج الأولي) إلى ميزة مهدرة بسبب التكلفة غير الإنتاجية.
3. عدم استقرار السياسات
التقلب في الرسوم و تعددها مع تباين سعر الصرف، كلها عوامل تؤدي إلى:
– فقدان الثقة بين الدولة والمصدر.
– لجوء بعض الفاعلين إلى القنوات غير الرسمية.
– تآكل العائد الحقيقي للنقد الأجنبي.
الاستثمار في الصادرات يحتاج إلى وضوح واستقرار لا إلى مفاجآت تنظيمية وقرارات غير مدروسة.
4. فجوة المعايير الدولية
الأسواق المتقدمة خاصة في الاتحاد الأوروبي تتطلب أنظمة صارمة في:
– تتبع المنشأ.
– بقايا المبيدات.
– شهادات الجودة.
وضعف البنية المؤسسية للفحص والاعتماد يقلص قدرة السودان على النفاذ المستدام لهذه الأسواق.
ثالثا: الفرص… لماذا لا يزال الباب مفتوحا؟:
رغم الصورة القاتمة نسبيا فإن المشهد يحمل فرصا استراتيجية مهمة منها:
1. التحول العالمي نحو الغذاء الطبيعي والعضوي حيث الطلب يتزايد على المنتجات الطبيعية قليلة المعالجة وهي ميزة يمتلكها السودان بطبيعته الزراعية غير المكثفة كيميائيا.
2. قرب الأسواق الخليجية فالقرب الجغرافي من أسواق مثل المملكة العربية السعودية يمنح السودان أفضلية لوجستية إذا تم تطوير منظومة النقل البحري والبري.
3. إمكانية مضاعفة العائد دون مضاعفة الإنتاج فالتحول من تصدير السمسم الخام إلى زيت السمسم المعبأ ومن تصدير الماشية الحية إلى اللحوم المبردة أو المجمدة او المصنعة يمكن أن يرفع العائد بنسبة كبيرة دون زيادة في المساحات المزروعة.
رابعا: حلول عملية واقعية في السياق الراهن:
بعيدا عن الاطروحات النظرية الكبرى يحتاج السودان إلى حزمة إجراءات قابلة للتطبيق فورا:
1. تثبيت سياسة تصديرية لثلاث سنوات بإعلان رسمي بعدم فرض رسوم أو قيود مفاجئة مع جدول واضح للرسوم يعيد الثقة ويشجع التوسع.
2. إنشاء نافذة إلكترونية موحدة للصادرات لتقليل الوقت والتكلفة والبيروقراطية وتعزيز الشفافية.
3. تحفيز التصنيع الزراعي المتوسط بدعم وحدات:
– المعاصر (عصر الزيوت).
– تعبئة السمسم والفول.
– تجهيز اللحوم.
بدل انتظار استثمارات ضخمة قد تتأخر.
4. إنشاء صندوق ضمان مخاطر الصادرات بشراكة بين الدولة والقطاع الخاص لتغطية مخاطر الأسعار و التعثر مما يشجع التمويل المصرفي.
5. تطوير منظومة الجودة بتحديث وتطوير المعامل وتبني أنظمة تتبع رقمية وتدريب المنتجين على الممارسات الزراعية الجيدة.
خامسا: الصادرات الزراعية من ميزة نسبية إلى ميزة تنافسية:
فالمعادلة واضحة جدا
فالسودان لا يحتاج إلى زيادة الإنتاج بقدر ما يحتاج إلى إعادة تنظيم الإنتاج.
إذا تم:
– تقليص الفاقد في سلاسل القيمة و تثبيت السياسات و توجيه التمويل نحو التصنيع وتحسين اللوجستيات.
فيمكن مضاعفة عائد الصادرات الزراعية خلال فترة قصيرة نسبيا، حتى في ظل الظروف الراهنة.
فإن لحظة الاختيار
للصادرات الزراعية لاتعد فقط ليست مجرد بند في الميزان التجاري بل إنها مشروع وطني لإعادة بناء الاقتصاد الإنتاجي ، فالفرصة ما زالت قائمة والأسواق مفتوحة والطلب العالمي متزايد لكن المنافسة شرسة والزمن لا ينتظر ، إن التحول الحقيقي يبدأ حين ندرك أن التحدي ليس في الأرض ولا في المناخ انما في الإدارة والسياسات وسلاسل القيمة، فإما أن تبقى الصادرات الزراعية موردا تقليديا محدود الأثر أو تتحول إلى قاطرة تنموية تعيد للسودان موقعه الطبيعي كمخزن غذاء إقليمي فاعل ومؤثر و مركز إمداد غذائي.

