أهو كلام والسلام
الهندسة المالية… الحل لاعمار السودان
فؤاد قباني
في زمان الأزمات تختلط المفاهيم، ويعلو الضجيج فوق صوت العقل، ويكثر إستغلال النفوذ وعدم الشفافية ونسمع كثيراً عن التمويل والإعمار والدعم والمنح… ولكن قلّ من يسأل: من أين نبدأ؟ وكيف نمول؟ وبأي عقل ندير؟
الإعمار ليس شعاراً سياسياً يُرفع في المنابر، ولا مؤتمراً تُلتقط فيه الصور، بل هو علمٌ وحساب يدرس، رؤيةٌ وأدوات. وهنا تبرز الهندسة المالية لا كترفٍ أكاديمي، بل كأداة وطنية لإعادة البناء والاعمار.
الهندسة المالية ببساطة هي أن تُحسن ترتيب مواردك قبل أن تمد يدك لغيرك، وأن تُحوّل الأصول النائمة إلى طاقة إنتاج، وأن تجعل المال خادماً للتنمية لا سيداً عليها.
انظروا إلى تجارب الدول التي خرجت من أزمات كبرى، لم تبدأ بطباعة العملة ولا بفتح أبواب القروض على مصاريعها، بل بدأت بتعبئة مدخراتها الوطنية، وتصميم أدوات تمويل ذكية. في ماليزيا ورواندا مثلاً، لم يكن سوق الصكوك ترفاً، بل كان أداة لتمويل الطرق والمطارات والكهرباء دون الوقوع في فخ الديون التقليدية.
أما نحن، فلدينا أراضٍ شاسعة ومياه، ومشاريع قائمة، وأصول مملوكة للدولة، ومدخرات لمغتربين يبحثون عن الثقة قبل الربح. فلماذا لا نحسن تصميم أدوات تمويل مرتبطة بالإنتاج؟ لماذا لا نصدر صكوك إعمار لمشروعات محددة يرى المواطن أثرها في طريقٍ يُعبد، أو محطة كهرباء تُضاء، أو مشروع ريٍّ يعيد مشروع الجزيرة للحياة مثلا؟
المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في ضعف الإدارة. ليست في غياب المال، بل في غياب الثقة وهدر المال العام. الهندسة المالية تبدأ من هنا: من الشفافية، من الحوكمة، من وضوح الهدف.
الإعمار الحقيقي يعني أن نربط كل جنيه بمشروع، وكل مشروع بعائد، وكل عائد بتنمية. لا نريد أدوات ورقية تتضخم في الأسواق، بل أدوات إنتاجية تنمو في الحقول والمصانع.
لكن، وللأمانة، الهندسة المالية سلاح ذو حدين. إن وُضعت في يد مؤسسات قوية كانت جسراً للنهوض، كما حدث ويحدث فى مشاريع الثروة الحيوانية ومنتجاتها وزادنا ومشاريعها ،وإن أُسيء استخدامها صارت ستاراً لإخفاء العجز وتدوير الأزمات كما يحدث فى صادر الذهب وضياعه وحصائله. لذلك فإن الإصلاح المؤسسي شرطٌ سابق لأي تمويل.
ما نحتاجه اليوم ليس لجنة جديدة، ولا شعاراً إضافياً، بل رؤية متكاملة:
صندوق وطني للإعمار مستقل، أدوات تمويل مرتبطة بالإنتاج، شراكة حقيقية مع القطاع الخاص والمستثمر الاجنبى، وضمانات قانونية تعيد الثقة للمستثمر والمواطن.
الإعمار قرار شجاع قبل أن يكون رقماً في موازنة.
والهندسة المالية ليست وصفة سحرية، لكنها طريق عقلاني إن أحسنّا السير فيه.
فإما أن نجعل المال يعمل من أجل الوطن…
أو نظل نعمل نحن من أجل سد فجوة المال.
علينا أن نحسن الخطط الاستراتيجية لاستخدام الهندسة المالية فلنستعد لذلك واستووو يرحمكم الله.

