هشام عوض يرد على مقال قباني المنشور في مجلة حواس
الهندسة بين الفكرة والفِعْل… حين يصير المال خادماً للوطن لا سادناً له*
سعادة المهندس فؤاد قباني،
قرأتُ مقالك المنشور في الموقع الإلكتروني بمجلة حواس بتاريخ 1- مارس 2026 فوجدته ليس طرحاً عابراً في زمن الضجيج، بل صوتاً عاقلاً يشقُّ طريقه بين ركام الشعارات، ويميز بين الإعمار كصورةٍ تُلتقط، والإعمار كمعادلةٍ تُحسب؛ بين مؤتمرٍ تُرفع فيه اللافتات، ومشروعٍ تُرفع به الأعمدة. لقد أحسنت إذ نقلت الحديث من “كم نطلب؟” إلى “كيف نُدير؟”، ومن سؤال المنح إلى منطق المنهج، فجعلت الهندسة المالية علماً يُتقن لا لفظاً يُستهلك.
جوهر مقالك – في تقديري – أنه أعاد ترتيب الأولويات قبل ترتيب الموارد، فقررت أن البداية ليست من خارج الحدود بل من داخل الإرادة؛ من تعبئة المدخرات الوطنية قبل استدعاء القروض، ومن تنشيط الأصول الراكدة قبل استدانة السيولة. هذا انتقال بديع من عقل الاستهلاك إلى عقل الاستثمار، ومن ثقافة الاتكال إلى ثقافة الاكتفاء، حيث يصبح المال أداة إنتاج لا أداة ارتباك، ورافعة تنمية لا رافداً لديون.
وقد كان استدعاؤك لتجارب الدول الخارجة من الأزمات إحالة ذكية إلى أن التعافي لا يُشترى بالتمني، بل يُصمَّم بالأدوات. ففلسفة الصكوك والتمويل المرتبط بالمشروعات ليست ترفاً فقهياً ولا زخرفاً مصرفياً، بل هندسة مقصودة لربط النقد بالعائد، والجنيه بالمشروع، والمشروع بالقيمة المضافة. وهنا تتجلى رؤيتك في تحويل الأرض من مساحة صامتة إلى طاقة ناطقة، وفي تحويل مدخرات المغتربين من انتظار الثقة إلى شراكة الثقة، فالثقة – كما لمّحت بصدق – تسبق الربح وتؤسسه.
غير أن أعمق ما في مقالك – وأجرأ ما فيه – هو تنبيهك إلى أن الهندسة المالية سلاحٌ ذو حدّين: تُنقذ إذا وُضعت في يد مؤسسات رشيدة، وتُغرق إذا أُسيء تسخيرها لتدوير العجز وتجميل الاختلال. بهذا الطرح خرجت من رومانسية الأدوات إلى واقعية الشروط، فجعلت الحوكمة قبل الحصيلة، والشفافية قبل الشهادة، والإصلاح المؤسسي قبل الإصدار. وهذه – في ظني – هي العقدة التي إن حُلَّت انطلقت العجلة، وإن تُركت تعطّلت الوسيلة والغاية معاً.
لقد لامستَ جوهر الداء حين قررت أن المشكلة ليست في قلة الموارد بل في قلة الإدارة، وليست في غياب المال بل في غياب الثقة؛ وفي هذا طباقٌ بليغ بين الموجود المهدر والمفقود المنتظر. ومن هنا تأتي توصيتك بصندوقٍ وطني مستقل، وأدواتٍ مرتبطة بالإنتاج، وضماناتٍ قانونية صلبة، لتكون معماراً للثقة قبل أن تكون جسراً للتمويل.
*أرى – مؤيداً لرؤيتك – أن نجاح هذه المقاربة يقتضي إطاراً تشريعياً لا يتبدل بتبدل المزاج، ومنصات إفصاحٍ لا تَخجل من الأرقام، وآلية رقابةٍ تجعل من كل مشروع كتاباً مفتوحاً لا صندوقاً مغلقاً. فالهندسة المالية إن لم تُسند بهندسةٍ مؤسسية، غدت شكلاً بلا روح؛ وإن لم تُحَط بسياج المساءلة، صارت لفظاً بلا أثر.*
ختاماً، مقالك دعوة إلى أن نجعل المال يعمل للوطن فلا يستعبد الوطن للمال؛ وأن ننتقل من اقتصاد ردّ الفعل إلى اقتصاد الفعل، ومن انتظار الفرج إلى صناعة المخرج. إنها ليست وصفةً سحرية كما تفضلت، لكنها – إن صَدَقت الإرادة واستقام الميزان – طريقٌ رشيد بين إفراط الاقتراض وتفريط الإهمال. فامضِ بفكرتك، وأحسنّا جميعاً الإنصات لها، لعلنا نرى في الهندسة المالية جسراً يُعبر به السودان من العثرة إلى العُمرة، ومن الأزمة إلى الإعمار.
م .هشام عوض محمداني*
الرياض في 02/03/2026*

