القطاعات الاقتصادية الإنتاجية بين سندالة السياسات ومطرقة التدهور الاقتصادي
بقلم مستشار: احمد حسن الفادني
في خضم الأزمات المتفاقمة التي يعاني منها الاقتصاد السوداني يبدو أن السياسات المالية والنقدية لبنك السودان المركزي والحكومة تترنح بين سندان الإصلاح ومطرقة التدهور فبينما تتراجع قدرة القطاعات الاقتصادية الإنتاجية على الصمود وتحقيق النمو المستدام ، فهذه الأزمة الاقتصادية المركبة تنعكس بحدة على الإنتاج والعمالة والاستثمار والاستقرار الاجتماعي وتستدعي مراجعة جذرية في السياسات الاقتصادية المتبعة.
السياسات المالية للبنك المركزي السوداني… أهداف حديثة وسط واقع معقد:
حيث أصدر بنك السودان المركزي سياساته المالية والنقدية للعام 2026 وسط ضغوط اقتصادية غير مسبوقة حيث ركزت على إصلاح الجهاز المصرفي وإعادة هيكلة النظام المالي وتعزيز الشمول المالي والتحول الرقمي وترشيد إدارة العملة الوطنية مع توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية ذات الأولوية ، وفي خطوة ملموسة شرع البنك المركزي في بناء احتياطيات من النقد الأجنبي والذهب لتعزيز قدرته على التدخل في أسواق الصرف وتحقيق الاستقرار الكلي وهو ما يعتبر محاولة جيدة و إيجابية لمحاصرة تدهور سعر الجنيه السوداني ، وكذلك أطلق البنك توجيهات جديدة تسمح بتمويل مشاريع الإعمار والعقارات والسيارات بينما يحظر تمويل المضاربات في الأسهم في مسعى لتقليل المخاطر على الجهاز المصرفي وتعزيز الاستقرار النقدي ، ولكن كثير من الخبراء يشيرون إلى أنه رغم هذه السياسات فإن قدرة البنك على التأثير في المعروض النقدي الحقيقي محدودة بسبب هيمنة الاقتصاد غير الرسمي وتراجع النظام المالي التقليدي مما يعيق فاعلية الأدوات النقدية في كبح التضخم الحقيقي.
الآثار الإيجابية المتوقعة للسياسات:
إذا ما نفذت السياسات الجديدة بشكل فعال يمكن أن تنعكس إيجابيا على القطاعات الإنتاجية من خلال:
1. تحسين الشمول المالي: التوسع في التمويل الأصغر يزيد من قدرة أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة على النمو.
2. توجيه التمويل نحو الإنتاج الحقيقي: التركيز على قطاعات مثل الزراعة و التصنيع وإعادة الإعمار يمكن أن يعزز الناتج المحلي الإجمالي ويحد من تراجع الإنتاج.
3. تعزيز الثقة في الجهاز المصرفي: بناء احتياطيات نقدية واصطناع شعور بالاستقرار قد يحد من هروب رؤوس الأموال ويشجع على الادخار والاستثمار المحلي.
الآثار السلبية والقيود الحقيقية:
إلا أن واقع الاقتصاد السوداني الراهن يقلص من الأثر الإيجابي لهذه السياسات من خلال :
1. تراجع الإنتاج الحقيقي: القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة تواجه أزمات عميقة بسبب الحرب مع انخفاض الاستثمارات وتراجع الانتاجية.
2. زيادة التضخم وارتفاع أسعار الصرف: رغم تدخلات البنك المركزي ويستمر الجنيه في تراجع حاد ما يرفع تكلفة مدخلات الإنتاج ويقلص المنافسة.
3. هيمنة الاقتصاد غير الرسمي: يضعف القدرة على ضبط السيولة الحقيقية في الأسواق ويحد من فاعلية الأدوات النقدية الرسمية.
4. ضعف التكامل بين السياسات المالية والنقدية فغياب التنسيق الفعال بين وزارة المالية وبنك السودان يعطل تحقيق استقرار مطرد في الاقتصاد الكلي.
تحليل الوضع الإنتاجي للقطاعات الاقتصادية:
1. الزراعة: حجر الزاوية المهدور ، فالزراعة أكبر مصدر للعمالة والغذاء حيث تواجه تراجعا حادا بفعل الحرب الدائرة الان مع ضعف التمويل وتردي البنية التحتية ،فهذا القطاع يحتاج إلى:
– دعم مباشر بالتمويل طويل الأجل بأسعار معقولة.
– تحسين سلاسل القيمة الزراعية والتصنيع.
– توفير بنية تحتية لوجستية أساسية.
2. الصناعة التحويلية: فمعوقات البنيوية تعوق النمو، فنجد أن قطاع الصناعة يعاني من ضعف الطاقة وارتفاع تكلفة المواد الأولية وتراجع الطلب فالحل يبدأ من:
– تأمين أسعار مدخلات مستقرة.
– تحفيز الاستثمارات الخاصة عبر حوافز ضريبية.
– تعزيز الصادرات بآليات دعم تنافسية.
3. الخدمات: قطاع هش أمام التقلبات، على الرغم من كونه محركا للنمو إلا أن الخدمات تتأثر بشدة بالتدهور الاقتصادي والتراجع في القوة الشرائية للمواطن.
ما يجب على الحكومة فعله:
1. تنسيق السياسات المالية والنقدية لضمان استدامة النتائج.
2. إصلاح بيئة الأعمال عبر قوانين واضحة وحماية حقوق المستثمرين.
3. تعزيز الاستثمارات في البنية التحتية الأساسية (الطرق، الطاقة، تكنولوجيا المعلومات).
4. إعادة هيكلة الدعم نحو القطاعات الإنتاجية الحيوية بدل الدعم الاستهلاكي.
ما يجب على القطاع الخاص فعله هو التركيز على القطاعات
1. القيمة المضافة مثل التصنيع الزراعي.
2. تنويع الأسواق وتقليل الاعتماد على الأسواق المحلية فقط.
3. الاندماج مع سلاسل القيمة الإقليمية والدولية.
4. تعزيز ثقافة التقارير المالية الجيدة والحوكمة لتعزيز ثقة المستثمرين.
ممكنات الدور: بنك السودان المركزي ووزارة المالية:
1. البنك المركزي:
– تحسين أدوات السياسة النقدية لربطها بـ الإنتاج الحقيقي.
– تخفيض الهوامش على التمويل الإنتاجي.
– تطوير نظم دفع وتسهيل الوصول إلى التمويل.
2. وزارة المالية:
– تقديم حوافز ضريبية للقطاعات المنتجة.
– زيادة الإنفاق العام على المشاريع ذات العائد التنموي.
– خلق شراكات مع القطاع الخاص والممولين الدوليين.
بينما تمتلك السياسات المالية الحالية لبنك السودان المركزي ملامح إصلاحية واعدة فإن تأثيرها الحقيقي لا يزال محدودا بفعل ضعف التنمية الاقتصادية الشاملة الأزمات السياسية والمالية المتراكمة والهيمنة الاقتصادية غير الرسمية و لتحقيق نقلة نوعية في الأداء الإنتاجي للاقتصاد السوداني يتطلب ذلك تنسيقا أشد بين البنك المركزي ووزارة المالية في إصلاحات هيكلية جريئة وتحفيزا مستداما للقطاع الخاص مع الرقابة الفاعلة ، فقط حينها يمكن أن تتحول سندان السياسات إلى أدوات للنمو بدلا من مطرقة التدهور.

